الفيلم التّسجيلي ، " ظلّ الغياب" لنصري حجّاج في اللاّز، عكّا

 

الفيلم: ظلّ الغياب

مكان العرض: اللاّز ، عكّا

إخراج: نصري حجّاج

 

البداية

لقد قطع هذا الشّريط التّسجيلي مسافات طويلة من تونس إلى باريس إلى القاهرة ودول كثيرة أخرى حتّى بيروت، وحتّى رام الله  وعكّا. والغريب أنّه بعد هذا المشوار الطّويل لا يزال يمتلك نفس القدر من الوهّج وإثارة الهرج، لكن ليس قبل أن يستردّ الحضور قلوبهم وأنفاسهم ويتحلّلوا من أثر الوجوه الّتي أعتمت وانرسمت في عيونهم وعلى أصابعهم.

 

في السياق

وظلّ الغياب لا يهجس تماما بمن شكّلوا علامة فارقة في حياة ضيّقة ذات أبعاد شخصيّة، إنّما بوجوه ذات علامة في تاريخ شعب هو الشّعب الفلسطيني. يهجس بموتات كثيرة نفّذت في حقّ شخصيّات هي في محور التّاريخ. والحقيقة أنّني لم  أتنبّه إلى أنّ فلسطين تمتلك هذا الكشكول الحافل والمؤلم من الغياب، بكلّ الأبعاد وبكلّ الأشكال. هذا هو الموت الّذي لم نعتد على الإحتفاء بمرجعيّاته لخوفنا أو خشيتنا من عواقب الآتي، وكان يجب أن تقف خلفه شخصيّة شجاعة. تتأمّل كثيرا، وتفكّر أكثر، لكنّك بعد أن ترى وتسمع تستطيع أن تتحسّس أكتافك كي تعلن " إذن ما زلت هامشيّا، وخارج سيناريوهات الغياب، ولو مؤقّتا" هذا هو الرّبح الأثمن الّذي ستحصل عليه بعد أن تشاهد هذا الشّريط التّسجيلي.

 

تداعيات

وكنت سأستبدل "ظلّ الغياب" الّذي أتى به نصري حجّاج من بيروت إلى عكّا ب"كلّ الغياب" كي يصير التّعريف أشمل. فبقدر ما تستولي الظّلال على السّياق الإخراجي والمستوى الفنّي، إلا أنّ البعد الواقعي يمرّ فوقها كي يحضر على نحو لافت. قد يأخذ من الغياب ظلالا إلا أنّه يؤطّر مسافات ومساحات واسعة من واقع الأحداث ودراما حيثيّاتها روحيّا وفكريّا.

 حكايات كثيرة تكاد تجمع كلّ حكايا الإغتيالات السياسيّة في تاريخ النّضال الفلسطيني، ابتداءا ب ، مرورا ب، ووصولا إلى. تنبشك الحقائق نبشا، تنزفك، ولا تكاد تستردّ أنفاس قلبك حتّى تفاجئك حقائق موت جديد، ولعلّ المثير في هذه الحقائق أنّها تملك من التّلقائية نفس القدر من البرمجة والتّركيب. إنّها ترغب في إرباكك واستفزاز ما تعرفه عن طقوس الحكاية. كلّها موتات آخرها غياب باختلاف أسبابها، مفاجئة رغم وضوح تفاصيلها، وتلمّها أتربة على اختلاف جغرافيّاتها، والمدهش فيها قدرتها على استدراجك إليها وإضاعتك بمثل السّهولة الّتي تقبض بها عليك.

 

حكايا غير كاملة  

الحكاية في سيناريو هذا الغياب غير كاملة. جميعها موتات بلا بداية وبلا نهاية، التقطتها عدسة كاميرا سريعة، لا تريد أن تتأنّى. هاجسها دائرة الغياب ذاته لذلك فإنّ عين الكاميرا تحرص على التقاط التّفاصيل الحسيّة مكان السّرد. ونحن كمشاهدين نلحق بزوايا المشاهد بدافع رغبة غامضة لقنص آخر حكاية تريد للجرح أن يظلّ نازفا كي تظلّ الحكاية طريّة وطازجة، ولا يسرق سواها مفتاح الإثارة.

ويجب أن نشير إلى قضيّة مهمّة في تقنيّة هذا العمل، كونه يوثّق ضمن مشروعه الحكائي حرفيّة عالية إلى جانب رهافة لا تخلو من القسوة في أسلوب سطوه على المجهول. والسّطو الّذي أعنيه مهارة في اختيار زوايا الفكرة وإضاءاتها. دقّة هذه الخيارات تؤدّي هي الأخرى لعرض سيناريوهات متباينة لأشكال الموت الّذي اختاره حجّاج. عيناك هنا تصافحان جميع الّذين تذكرهم ولا تذكرهم. ياسر عرفات، خليل الوزير، ناجي العلي، راشد حسين، كمال ناصر، معين بسبسو، غسّان كنفاني، فيصل الحسيني، إبراهيم أبو لغد، وضحايا صبرا وشاتيلا، وسواهم الكثيرين.

صفحات الموت تمسك بك وتتساءل معك. ونحن أمام تدافع الأسماء من خلال هذا الشّريط التّسجيلي الطّويل نقف أمام مخرج فنّان، يوقّع صمت المجهول عبر عين عدسة ذكيّة مرهفة، ولا تخاف من ظلام الحكاية. لم أعرف مخرجين كثر يجيدون توثيق اللّحظة عبر لغة الجسد بهذه الموضوعيّة والمهنيّة. كما يعنيني أن أنوّه إلى الثّقافة الفكريّة والحسيّة الّتي تدعم مشروع حجّاج السينمائي، ولا بدّ أمام هذا الإنجاز الوطني أن ننحني لنضالنا الطّويل في سبيل الإنتماء للأرض أوّلا ، وأن نشكر لعدسة حجّاج يقظتها ومخيّلة فضاءاتها ثانيا. وكلّي أمل أن يحرص القيّمين على المشروع الثّقافي الفلسطيني على تبنّي هذا العمل وعرضه في كلّ زاوية ممكنة لتوطين الذّاكرة في أماكنها.

يجب أن نظلّ شعبا لا ينسى كي لا يبتلعنا الغياب دون ظلال.