بعد سنة أولى زواج أو أكثر ....

يبدو أن ارتباط معايير اختيار الزوج بالملامح الرومانسية إلى حدٍ كبير يرافقه ارتباط الصور الخيالية للفارس الشهم، الشجاع، الخلوق الذي يمتطي صهوة جواده الأبيض القادم من أمام الأفق المسرع نحو الفتاة الخجولة المقترب إليها ليمسك بيدها متوجهاً إلى الحياة، هي بالكاد رمزية نزرعها في مخيلات أبناءنا وبناتنا لنحول بينهم وبين رمزية الزواج، الصور التي يصعب تصديقها وتتعذر رؤيتها.

لكي يأتي فارس الأحلام في موعده يجب على الفتاة العربية أن تقف أمام سخط المجتمع وتناقل أفكارهم النمطية التي لا تحررهم من عبودية التقاليد وحتمية الفشل. تفقد الفتاة الثقة في نفسها وينقضي من عمرها عشرون عاماً أو اقل عندها تبدأ تنتظر فارس الأحلام لينقذها من البيت الذي بدأ يراقب بندول الأيام يوماً وراء يوم يتحسس ساعة الزفاف.

تفقد الفتاة في زواجها المبكر من فارسها اللا منتظر شيئاً من وعيها المتكامل لكينونتها وانثويتها لتبدأ رحلة الحياة ورحلة الحب معاً ورحلة الجهاد برفقة شريك لها، لأنها قد أضاعت شيئاً من عمرها اليافع لتلتحق المقاعد الأولى في قطار الزواج، إذ تتبعثر هناك في هذا الكيان قسوة الحياة وتضمحل منه ملامح الرومانسية الضائعة في مشاكل وهموم وأعباء ثقيلة.

والفتاة.. إما هي متزوجة لرجل ناضج يؤمن لها حياة ميسورة الحال مع فارق في الجيل والخبرات والنضوج الفكري والانفعالي والعقلي وإما لشابٍ في طور التكوين.. وفي تلك الحالتين الفتاة تعاني فراغاً من حلقة مفقودة بشكل إدراكي ولا إدراكي.

وفي خضم هذا المسرح الغزير بالتحركات الانفعالية المتموجة يبدأ هاجس فارس الأحلام يومض حلماً مشعشعاً في حياة المرأة من جديد.   والسؤال الذي يطرح لماذا تغيرت شروط الفتيات العربيات في اختيار الزوج؟

هل يكمن السبب في تلك المتغيرات المجتمعية التي أصابت المجتمع العربي؟  الأمر الذي آل إلى تصاعد الحاجات المادية على المتطلبات الروحية التي تنشدها الفتاة في فارس أحلامها...

احياناً كثيرة يأتي فارس الأحلام بعد الزواج بافتراض شخص محدد أو بافتراض شخصية وهمية، لأنه الزوج من البداية لم يكن ذلك الشخص المطلوب للمهمة، لم يكن فارساً بل كان منقذاً مخّلصاً، محرراً من قيد الانتظار داعماً للمواقف المركبة لشخصية أنثوية تشق طريقها في مسيرة الألف الميل. وبعد مضي السنين، تعود المرأة وتكتشف أن هناك مناحٍ مختلفة في شخصيتها بدأت تتبرعم وتزهر وتنضج وأنها بكل بساطة لا تتلاءم مع الإنسان الذي يعيش معها تحت سقفٍ واحد ، لكن الحيلولة النسوية الأخلاقية والدينية والاجتماعية  تمنعها من البحث والتوصل إليه، وتبقى الصورة رهينة في سجون الأفكار وان كان كذلك فتلك مدعاة لإحداث شرخ أو حتى تصدع انهيار في جدران الزوجية. لأن النساء تفقد شيئا من النضوج العاطفي قبل الزواج، لا لضعفٍ فيهن أو قوة يخضعن إليها ولكن لان احتياجاتهن العاطفية والاتزان العاطفي حتماً لا تستقر في جيل الثامنة عشرة.  وافترض جدلاً هل موافقة الفتاة على الزواج من ذلك الرجل موافقة نابعة عن اقتناعٍ تام مرفق بنضوج فكري ومسؤولية ووعي نحو الارتباط والالتزام؟ أم أنها موافقة والسلام لكي تلتحق بقطار الزواج؟

 والسؤال الذي اطرحه بكل جرأة، هل الفتاة التي تتزوج في جيل مبكر ناضجة اجتماعياً وانفعالياً؟ وهل يضمن لهذه الفتاة أن لا ترسم صورة لفارس أحلامها الوهمي بعد الزواج؟ وهل نستطيع مصادرة أحلام الفتيات حول فارس أحلامهن في أي مرحلة من المراحل العمرية؟ الجواب عندكم!!!

بينما الحقيقية...

فارس الأحلام هو الفارس الذي يأخذ الفتاة إلى السماء يرفع أحلامها إلى النجوم يداعب خدود الغيوم يقبل نور الشمس.. والشريك في الواقع يصبح فارس المادة ويمتطي جواد الأيام والعمل وقساوة الحياة ملجمُ بضغوطات وأعباء اقتصادية موجود في إسطبل المسؤوليات .. هذا ما يسمى الشريك!

يعيشان معاً يعملان معاً يأكلان معاً ينامان معاً يسافرون معاً ليكتشف الواحد منهم الآخر لكن بأدنى قيمة للتعايش بانسجام الروح مع متعة الجسد. يصبح للعلاقات اسم واحد وهو ميكانيكية العلاقات الاجتماعية لتلبية حاجة وليس حباً أو انتماءاً..

 أشفق على تينك النساء اللواتي يفتك بهن الحب ويسرن مسيرة العواطف في أخاديد الحياة الأقرب إلى التصّحر الجاثم وراء الجبروت التي تحول بينه وبين الحب. وبالمقابل، عندما تحاول المرأة أن تشق خطاها في الحياة وان تبحث عن كيانها وتبلور شخصيتها لتبعثر سطور  الروتين وتسّطر أوراق التغيير والتجدد، فهي بذلك تدفع رصيد ريعان شبابها وتدفع عنوستها مهراً للاقتران، أو تدفع حريتها ثمناً للدفاع عن مواقفها  لتستظل بحياة كريمة تؤمن لها كيان أنثوي يتعالى عند الأزمات ويعبر عن نفسه فتقول:

أنا اعتقد...

 

 

 

عناق مواسي

باقة الغربية