يعد اليسار الدرزي من القوى الأساسية الفاعلة على الخارطة السياسية للطائفة الدرزية في إسرائيل، فقد أدى هذا اليسار دورًا رياديًا في مسيرة الدروز في البلاد على مدى عشرات السنوات، وكان له الدور الكبير في التصدي لسياسة السلطة الإسرائيلية التي عملت على فصل الدروز عن محيطهم العربي وتحويلهم إلى أداة طيعة في خدمة مشاريعها التفريقية في صفوف الأقلية العربية. ويُسجل لهذا اليسار استبساله في الدفاع عن الهوية العربية للدروز وتصديه الشرس لفرض التجنيد الإجباري على أبناء الطائفة بالرغم من الصعوبات التي واجهها والعراقيل التي وُضعت في طريقه.

                                         

بعد هذه المسيرة الطويلة حان الأوان للشروع بقراءة نقدية لتجربة اليسار الدرزي الهدف منها استخلاص العبر من الأخطاء التي ارتكبها والهفوات التي وقع فيها، من أجل شق طريق المستقبل بنهج جديد يبتعد عن الأفكار البالية ويتلاءم مع مستجدات الحقبة الراهنة. وأقوم بهذا النقد من منطلق كوني محسوبًا على التيار اليساري في الطائفة الدرزية ورغبة مني بتحديث اليسار الدرزي بحيث يكون أفضل حالا مما هو عليه الآن. لذا أرجو من الأخوة اليساريين تقبل طرحي بصدر رحب وقراءة المقال بتأنٍ وإمعان قبل الحكم على ما سيجيء فيه.

 

يؤخذ على اليسار الدرزي فشله في إيجاد قاعدة شعبية يرتكز إليها في نضاله، وقد اقتصر عمله ضمن نخبة من المثقفين ورجال الدين الذين حصروا أنفسهم في زاوية ضيقة أبعدتهم عن الحيز الشعبي  العام في الطائفة الدرزية. هذا الأمر جعل الرأي العام الدرزي ينظر إلى اليساريين على أنهم "وكلاء" يعملون من أجل التسويق لسياسة أحزابهم في الأوساط الدرزية ولا يمثلون المصالح الحقيقية للطائفة. قد يدّعي البعض بأن المشكلة تكمن في الجماهير وليس في النخب بافتراض أن اليسار لا يلقى رواجًا واسعًا لدى الدروز، لكن هذا الادعاء سرعان ما يتهاوى أمام حقيقة كون اليسار الدرزي لم يقدم تصورًا واضح المعالم بخصوص وضعية الدروز في إسرائيل وعدم اجتراحه لمشروح نهضوي حقيقي يُحدث التغيير الفعلي في صفوف الطائفة واكتفائه بترديد شعارات رنانة لا تقدم ولا تؤخر.

 

نقطة أخرى لازمت اليسار الدرزي وتعمقت في السنوات الأخيرة هي غياب العنصر الشبابي ضمن قيادة وكوادر الأطر اليسارية الفاعلة على الساحة الدرزية، إذ يسيطر على هذه الأطر مجموعة من كبار السن الذين مرت على مسيرتهم سنوات طويلة وما زالوا يقبضون على زمام الأمور في تلك التنظيمات. لا يختلف اثنان في أهمية وجود شبيبة فاعلة في إطار أي جسم سياسي واجتماعي يريد الاستمرار والبقاء، وبدون هذه الشبيبة من غير الممكن نقل الراية إلى الأجيال القادمة. تشهد الطائفة الدرزية بزوغ حركات شبابية تعمل في خدمة مخططات السلطة والتي في مقدمها تشجيع الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي ونشر النزعة الطائفية الانعزالية في أوساط الشريحة الشبابية القائمة على التنكر للانتماء العربي للدروز وتعزيز المركب الإسرائيلي في هوية الشاب الدرزي. إن مواجهة هذه الحركات والتغلب على طرحها لا يكون إلا باستيعاب العنصر الشبابي ضمن الأطر اليسارية وتثقيفه ثقافة وطنية تقدمية تفضح مآرب السلطة وتغرس فيه جذور الانتماء إلى شعبه وأمته.

 

من الأمور التي من المهم التوقف عندها نزوع البعض من اليساريين الدروز إلى إثبات وطنيتهم وعروبتهم في كل مناسبة اعتقادًا منهم بأن من شأن هذا الأمر أن يجلب المجد والعزة للطائفة ويزيل عنها اتهامات العمالة والتخوين. أعتقد أن هذه عملية زائدة عن اللزوم وتمثل انتقاصًا من الخصوصية الدرزية. هذا الانتقاص يُترجم باستعمال عبارات من طراز "العرب الدروز" أو "العشيرة المعروفية" وسواها من الإنشاءات التي ترمي إلى التأكيد المبالغ فيه على عروبة الدروز. لا جدل حول عروبة أبناء الطائفة الدرزية لكن هل يجب عليهم إعلان الولاء لعروبتهم في كل محفل ومنبر؟!، ولماذا لا يقال الطائفة العربية الإسلامية أو الطائفة العربية المسيحية؟!. إذا كنا عربًا فهذا لا يعني الانصهار التام في انتمائنا العربي إلى درجة إغفال الخصوصية المذهبية والثقافية لأبناء الطائفة الدرزية.

 

تعاني بعض أوساط اليسار الدرزي من تحجر فكري مزمن يتمثل باجترارهم لشعارات ثورجية قديمة عافى عليها الزمن وبتمسكهم بأدبيات عتيقة غير متوافقة مع طبيعة المرحلة التي نعيشها. لا زال نفر من اليساريين القدامى يؤمن بنظرية المؤامرة التي تلقي باللائمة على جهات خارجية في كل صغيرة وكبيرة تحدث في قرانا، من قبيل إدراج أعمال العنف في أبو سنان في خانة مشروع أمريكي يهدف إلى زرع الفتنة الطائفية وتهجير المسيحيين من الشرق!!. أضف إلى ذلك نزوع شريحة من هؤلاء اليساريين إلى تخوين كل من يخالفهم الرأي، فلا مكان لديهم لوجهة نظر مغايرة لرؤيتهم حتى لو كانت محسوبة على الصف الوطني.

 

يُلاحَظ انجرار يساريين راديكاليين دروز إلى الهرولة نحو تأييد محور الممانعة في العالم العربي من أجل دفع ضريبة الوقوف مع "قوى المقاومة والصمود" وهي مجموعة أطراف عربية تعمل وفق أجندة إيرانية معادية لمصالح العالم العربي. وغالبًا ما يضطر هؤلاء الذين يدّعون الانتماء لليسار إلى التهجم على شخص الزعيم الوطني وليد جنبلاط من أجل أن يحوزوا على رضا أسيادهم في الأحزاب التي ينتمون إليها.

 

المطلوب هو بناء يسار درزي جديد يقوم على طرح حديث ورؤيا عصرية ويُعزَز بعناصر شبابية بإمكانها تشكيل قوة مركزية داخل الطائفة الدرزية، يكون لها الضلع الأكبر في بلورة وصياغة مشروع سياسي وثقافي الغرض منه طرح بديل حقيقي للواقع الرديء الذي نحيا في ظلاله. يكثر الحديث عن ضرورة إحداث نقلة نوعية في أحوال الطائفة الدرزية، وهذا يتطلب توحيد الجهود لإقامة جسم مُوحَد لكافة الأطر الوطنية والتقدمية الفاعلة لتعمل تحت سقف واحد لصنع التغيير وبناء المستقبل المشرق في كافة نواحي الحياة.

 

(شفاعمرو)