*هي قصتنا، قصة الشعب الذي أراد المضي في طريق ذاق ماضيه وانعصر في حاضر يبدو حضاريا في الواجهة، ولكنه انحصر فيها دون مخرج.

 

هي قصة ذلك المزيج الذي أراد أن يبحث عن ذاته فنسي نفسه ومركباته ومن حوله. بحث عن طائفته ليؤكد وجودها فغاب عنه الإنسان الذي يؤمن بوجود الآخر وحقه في إثبات ذاته أيضا.

 

هذا المزيج من ما ندعوه الطوائف والديانات المختلفة في مدينة شفاعمرو، بل في كل بلدة عربية مماثلة تمتعت بهذه التشكيلة الجميلة من الاختلافات النمطية وليس في الجوهر الإنساني. همنا الواحد وعطاؤنا الواحد وشكرنا وحلمنا الخ من "الواحد" الذي لا يتجزأ إلا عندما نتحدث عن الطائفية والاختلافات العقائدية، أصبح اليوم بعيداً، مؤجلاً إلى اللا حين.

 

تقسمت بلدتنا إلى أحياء مختلفة وعرفت بأسماء تنم عن هذا التقسيم وكأنه أبدي لا جدال فيه وبنيت المدارس في أحياء مختلفة وتفرق الأولاد، كل يتبع طائفة (قبيلة) وأصبحنا "كانتونات" صغيرة ننسى الكل وننسى أننا في "الواحد".

 

وأصبحنا في الشتات عن تاريخنا وإنسانيتنا.

كثرت الفعاليات ولكن قل العمل على الوحدة.

كثرت الانجازات وبقي الانجاز الأكبر معزولاً.

تعددت الأفراح والفرحة في الداخل معدومة.

 

هذا ما رأيت حتى الآن في بلدة تتوق إلى الانفتاح وتخشى ذلك خوفا من الضلال والفتنة. فماذا عسانا نحن شباب اليوم أن نفعل ؟ أنسلم بما كان ويكون وننقاد أم تعزز خطواتنا للجديد والجريء ؟

 

وهنا أود أن أشيد بعمل كان أذن بالتغيير بجرأة إنسانية لمواجهة هذا الواقع القبلي. "الفن لغة حوار" المشروع الذي انبثق من الإيمان "بالواحد" والذي تبنته جمعية "سوا" دفاعا عن إنسانيتنا ووحدتنا، راغبة في تذكير الجيل الجديد أننا من دون هذه الأغصان متنوعة الأشكال لا يمكن أن تستمر الشجرة في الإثمار "على حد قول مدير المؤسسة السيد رحيب حداد".

 

تعدّدت الفعاليات في هذا المشروع وكان الكادر من الفنانين العاملين فيه واعياً للفكرة، مؤمنا بها وأخص بالذكر الفنان ميخائيل حلاق، الذي عمل على تعليم الرسم والفنانة نديمة قرمان، على الأشغال اليدوية والفنانة ربى بلال في المسرح والفنان رمسيس قسيس في الموسيقى.

 

تمازجت هذه الفنون وتمازج معها أطفالنا من مختلف الفئات والطوائف (حيث ارفض تسميتها)، منتجاً واقعاَ بريئاً، طبيعياً، فيه يرى كل ابن وابنة من أبنائنا واقعا صحياً بلغة أخرى، قد تكون فوق اللغات والأفكار هي لغة الفن. الواجب الوحيد فيها أن تصغي لنفسك ولهوايتك لا لأهواء الآخرين وميولهم، أن تسعى لإكمال الصورة لا لتمزيقها وبعثرتها.

 

وأقول هنا: ليت هذه النبتة التي أزهرت في هذا العمل تكون قادرة على الثبات والاستمرار بل الانتشار في كل بلدة أخرى تريد التطوير وتسعى بذلك الأمل في حقولها.

 

اشكر في نهاية مقالي كل من ساهم في إنجاح هذه الفكرة وهذا الحلم من طاقم عاملين في جمعية سوا إلى الفنانين في هذا المشروع ثم إلى أولادنا الأكثر جراءة وتصميماً. وأخيراً إلى صندوق (هانز زايدل) الذي رأى في هذا المشروع هدفا يسعى لتحقيقه بدعمه المادي. والى جميع أولئك الذين يعون فائدة هذا المشروع من ذوي النفوس الواسعة والمضيئة.