شفاعمرو احدى تلك السنديانات العتيقة الخضراء ابدا والتي لم تقتلعها العاصفة ولم تشتتها انواء الخماسين التي عصفت بالوطن وجعلته انذاك كريشة في مهب الريح . هاناذا من شرفتي الجنوبية في حي الميدان ارى جذورها العميقة تغور بعيدا في تراب الوطن المقدس وفروعها الخضراء تضرب افاقها في حي الفوار وفي حي العين ومرشان وحي البركة وحي القلعة والسوق القديمة والدير وظهر الكنيس وحي عصمان وعجروش حتى الكاشف تلك النقطة الكاشفة الساحرة التي تشد شفاعمرو الى احضان السماء فوق هضاب البلوط الشرقية التي طالما وقفت عليها شقيا مادا يداي مطاولا عنان السماء.

شفاعمرو الكنعانية – العربية تتغدى جذورها

 الضاربة في الارض من عمر هذه الارض من الثراث العربي الاسلامي والمسيحي الشرقي ومن ثراث الفاطميين -الموحدين احفاذ فاطمة الزهراء بناة الازهر في قاهرة المعز وجامع الحاكم بامره الفاطمي معقل الحضارة العربية- الاسلامية مئات من السنين .

اكاد اسمع مع حفيف نسائمها الاتية من صوب البحر في افقها الغربي القريب ومن صوب الكرمل جارها هذا الاصيل الجميل ترانيم عيسى بن مريم علية السلام وصلوات النبي العربي الكريم محمد بن عبدالله صلعم ونفحات النبي شعيب عليه السلام وكانها اتية لتوها من حطين .

من شرفة روحي هذه اطل على البلدة القديمة وعل روعتها التي تتجلى بالكنيسة الكبيرة والجامع الكبير والخلوة البيضاء . ارى الهلال والصليب متعانفان في لحمة ابدية سابيحين في سماء شفاعمرو الغالية ووجهتيهما نحو ملكوت السماء وسدر المنتهى.

صغارا واشقياءا لعبنا في ساحة الكنيسة وحلقت ارواحنا البريئة الى السماء على وقع الاجراس في اعالي برجها الذي يناطح اسماء علها تجلب لنا على وقع دقاتها وحي من السماء او علامة خلاص او انعتاق الى ما وراء المعلوم . ذهبنا الى الجامع المجاور وشربنا من السبيل العذب ونظرنا من خلف زجاج نوافذه الملونة وراينا شفاعمرو بكل الوان الطيف التي نحبها .

ثم درجنا كفراخ الحجل نقفز بقلوب بريئة وجسورة على درجات القلعة التي اشرابت شامخة كاللبوة تبحث في صفحات التاريخ عن الظاهر عمرو وفخر الدين المعني وصلاح الدين . راينا من هناك الخلوة البيضاء القريبة خاشية ورعة صافية على صوت صلوات الشيوخ الافاضل وهم يسبحون لباريهم ويصلون للسماء. شفاعمرو فرحت بنا صغارا ونحن نلاحق الفراشات بين الجلنار وزهرات الصبار الصفراء وحبات التفاح والسفرجل في بساتين العين ونحن نشفي عطشنا الشقي من مياه عين عافية الصافية الباردة كماء الكوثر ونحن نبرد اجسادنا الشقية الفتية ونغوص في مياه نبعة راس العين نلاحق السلاحف المائية وصغار الاسماك والضفادع ونحلم بيوم ات اخر لذيذ ومستقبل راقص على اوتار حلم وامنية اتية على جناح غيمة بيضاء شفاعمرية. اثارنا امامنا وورائنا ما نحلم به اليوم نراه غدا وما نراه اليوم حلم يتحقق باجمل صورة على زهرة من شقائق النعمان او على قمة سروة حانية او مع تغاريد بلابل الصباح التي لاحقتنا حتى في احلامنا.

ما حدث يا اخوتي حدث وما علينا نحن الشفاعمريون المخلصون لهذا البلد الامين طلية الاف السنين الا شحذ الهمة من جديد وفحص البيت العتيق من الداخل وتصفية كل الشوائب وقلع جذور العنصرية والخوف والمهاذنة والانتهازية والانعزالية والانفصالية في مؤسساتنا المدنية والتربوية والثقافية من اساسها والانطلاق نحو غد افضل لهذه المدينة الابدية التي علينا واجب حمايتها كما حمتنا ورعتنا صغارا وكبارا والعمل على بقاءها عروسا لمدائن الجليل كما كانت ابدا . لسنا مع هذا ولا مع ذاك نحن نعم مع الحياة الحرة الكريمة الامنة وحتى النهاية وضد العائلية والطائفية والفئوية ضيقة الافق التي لا تجلب لبلدنا الحبيب الا الدمار والخراب . نحن مع شفاعمرو قلعة للوطنية العلمانية من اوسع ابوابها ومع بلدنا في كل حين وحال ومهما جار الزمن علينا . واجبنا مقدس وهو ان نبقيها موحدة و صامدة وابية ومشرقة على صدر هذا الوطن الجميل.