شفاعمرو..

شفاعمرو مدينة طائفية جدًا ايام الانتخابات.. اما في مدار زمانها اليومي والعادي، فهي مثال للحياة المشتركة لأناس مختلفي الانتماءات والحارات والمذاهب، فالعلاقات طيبة على كافة الأصعدة الاجتماعية، بما فيها التدوال التجاري والعمراني، فكل شيء مشترك بين الجميع. الا انه يوجد هناك نفر من المتنفذين الذين يجيّرون مصالحم الشخصية على انها مصالح طائفتهم.. والناس بسطاء طيبوا القلب، ينجرفون خلف هذا او ذالك.. ربما بفعل المرجعية التاريخية لمخترة اكل عليها الدهر وشرب، او ربما لسطوة المال والجاه، التي يتمنى البسطاء ان يحتموا بها، ظنًا منهم انه يمكنهم ان يحتموا بها اذا ما تعرضوا لخطر ما.

 

وتاريخ شفاعمرو حافل بالبطولات الوطنية والثورية، منذ ايام صلاح الدين الايوبي، حين شارك أبنائها في حملة التحرير الكبرى لإخراج الفرنجة " ابان الحملة الصليبية" من ارض فلسطين، مرورًا بتصديهم لغزوة عثمان بن ظاهر العمر.. الذي سمحوا له بدخولها وسيادتها بعد ان خضع لسلطان والده ظاهر العمر الزيداني.. ومنها الى اول انتفاضة عمالية في اسرائيل سنة 1961، حتى يوم الارض وام السحالي وجريمة اغتيال الشهداء الاربعة في الخامس من آب 2005.. بيد ان هذه البطولات لم تكن شمولية حد المشاركة المطلقة لكافة ابنائها.. لان نفرًا قليلاً من شبابها هم الذين حملوا لواء هذا الوطن على اكتافهم.. في حين ان الاكثرية السائدة حافظت على نوع من الهدوء والاكتفاء بما هو سائد، كون الفكر الزراعي الذي تميز به اهلها متأصل فيها، وهو فكر طبيعي روحاني، يفضل الحفاظ على العادات والتقاليد، ويستمر على نمط من الحياة الهادئة العادية، انطلاقًا من راحة البال وراحة الضمير.. "وقل: لا يصيبكم الا ما كتب الله لكم".

 

وشفاعمرو ايضًا.. حضنت الكثير من الاجئين من شتى بلدان شمال فلسطين.. وتوطدت العلاقات الطيبة بين اهلها الاصليين والوافدين اليها.. وكونوا في بوتقة الحياة اليومية حياة طيبة عادية. نعم ان هناك بعضًا من الخارجين على القانون والاعراف السائدة، يفتعلون الخلافات بين الافراد ويحولونها الى خلافات مذهبية عرقية قبلية.. وهذه الظاهرة موجودة في كل مكان في دول الشرق.. بيد ان شفاعمرو عرفت، وتعرف عبر تاريخها، كيف تتصدى وتنزع فتيل الفتنة منذ بدايتها، او قل ربما قبل بدايتها ايضًا.. واثبات ذلك، انه لم يُحرق بيت في شفاعمرو، ولم تسفك دماء احد ابنائها على مذبح القبلية المذهبية، اسوة بما حدث في اماكن أخرى.. وعلى شفاعمرو ان تحافظ على هذه الميزة.. وان يبقى ابنائها موحدين في التصدي لكل فتنة..  وهي قادرة على ذلك! لان ابنائها وكل احيائها، لا تختبئون خلف جدران بيوتهم اذا ما دارت دائرة الفتنة في شوارعها، بل انهم يخرجون ويتصدون لها.. فتقوى روابط التواصل بين ابنائها.. وتستمر العلاقات الطيبة والحفاظ على نسيج الترابط الاجتماعي ما بين الاكثرية الساحقة منهم.

 

في الانتخابات

            في الانتخابات تنقسم شفاعمرو على ذاتها، وتتحول الى حارات، مذاهب، قبائل، حمائل وعائلات.. ويصدح صوت الفئوية في كل واردة وشاردة في شوارعها.. وهي صورة ليست غريبة عن تاريخ الديمقراطية العربية في كل مكان. ومرد ذلك الى اعتقاد خاطئ تغذيه الفئوية، التي تدعي انها تعمل من اجل المحافظة على حقوق الطائفة ومصالحها.

 

            وكي نستطيع فهم المعادلة التي يحتكم التنافس الانتخابي لها في شفاعمرو.. علينا ان نقر ان الاكثرية المنتخِبة تسير في اتجاه الانتماء المذهبي، العائلي، الحمائلي.. باختصار (الانتماء القلبلي). وينقسم هذا الانتماء حسب نسبة تعداد السكان. وبناء عليه يكون التقسيم الانتخابي، لان القوى المحركة للتنافس الانتخابي تعتمد على هذا التقسيم الطائفي.. على الرغم من وجود احزاب سياسية مارست العمل الجماهيري والسياسي منذ ما قبل قيام دولة اسرائيل.. الا انها لم تستطيع ان تفرض برنامجها الوحدوي الجماهيري، على الغالبية الكبرى من اهالي شفاعمرو.. وكذلك هو الحال في اغلبية البلدات والمدن العربية في البلاد.

 

            من هنا فان الركض وراء المرشخ فلان او غيره، يحتكم الى عدد الداعمين له من عائلته ومن طائفته اولاً.. هذه هي المعادلة الاساسية التي تحسم نتيجة الانتخابات على الصعيد البلدي المحلي.

 

عرسان

            جاء عرسان ياسين الى اروقة البلدية من خلال عضويته في قائمة ج د، التي كان يرئسها رئيس بلدية شفاعمرو السابق، المرحوم ابراهيم نمر حسين.. وقد عرف عرسان ان يختار الوقت المناسب لينقلب على سيدهِ وولي نعمتهِ.. وعرف كيف يدير دفة الحسم الانتخابي لصالحه.. وهكذا استطاع ان يصل الى رئاسة البلدية، حين ايقنت الاكثرية من مواطني شفاعمرو، على اختلاف طوائفها، انه يستطيع ان يحدث التغيير. وقد كان عرسان قد اعلن منذ ذلك الحين، انه لن يبقى في سدة الرئاسة لأكثر من دورتين.. الا انه على ما يبدوا، عرف ايضًا ان الناس لا تحاسب احد على ما يقول.. وان الزمن كفيل بمحوا الكلام.. ويبدو ان الزمن يمحو الافعال من الذاكرة  ايضًا.

 

            يقضي عرسان معظم وقته في مكتبه في البلدية.. ويحاول على قدر ما يعرف، ان يدير امور الناس ويحل مشاكلهم. وهذا الامر قد يقنع الناس بأن هذا هو ما يريدون!! في حين انه لم يهتم بالهدف الاسمى والاهم.. ولم يبنى اية قاعدة من اجل القضايا الكبرى لكل الناس ولكل البلد. فمستوى المدارس والتعليم في المدينة في  تراجع مستمر.. الاهتمام بطلابنا في الجامعات وصل الى حالة هي الاسوء منذ 30 عام.. المؤسسات الثقافية والفنية في المدينة في خبر كان.. هناك العديد من المرافق المؤسسات مثال: المركز الجماهيري، المكتبة العامة، العمل المسرحي، الحركة الثقافية والفنية.. كلها مصابة بداء النوم.. لان البلدية برئاسة عرسان قد قضت على معظمها.. ويبدو ان الناس لا يهمها هذا الامر.!!

 

            على الصعيد السياسي ظهر عرسان على حقيقته في اليوم التالي لانتخابة الاول.. حيث اعلن عن انتماءه لحزب الليكود.. وعلى مدار مسيرته كرئيس لبلدية شفاعمرو.. لم يحيد عن هذا الانتماء.. بل انه في كل مناسبة ومن غير مناسبة، يعلن ولاءه للمنظومة الصهيونية.

 

الدولة والوطن

            كلنا يحمل بطاقة الهوية الاسرائيلية.. ومن ابناء شعبنا من هم في سلك الوظائف الحكومية والمؤسسات الرسمية.. من رؤساء ونقابيون ومستشارون واعضاء كنيست ومعلمين ومدراء وموظفين وعمال وصناعين وعناصر شرطة وجنود.. والى ما شئتم من مسميات واللقاب ووظائف.. وهذا شيء طبيعي الى حد ما. فحين اخترنا البقاء في ارضنا ووطننا، تحتم على البعض منا الانخراض في مجمل الحياة المتاحة امامه، بدافع غريزة البقاء واستمرار الحياة. الا ان ذلك لا يعني ان نعلن عن ولائنا الاعمى للسلطة الحاكمة.. وخاصة الولاء الى فكرها الصهيوني!! فهذا ما هو فوق المعقول، وهذه ظاهرة انزلاق اخلاقي.. اقل ما يقال فيها انها خيانة عظمى!! وفي سجل التاريخ الانساني تم محاكمة مثل هذه الخيانة.

 

            يظن البعض ان ولاء عرسان يجلب الميزانيات للبلدية والبلد.. ولكن هذا غير صحيح.. لان ما تجمعه الرياح تذريه الزوابع.. فالميزانيات التي تأتي بهذا الشكل تهدف اساسًا الى تمرير ما تريده السلطة والمؤسسة الرسمية.. واكبر مثال على ذلك هبوط مستوى التعليم وتدني مستوى الحياة الثقافية والفنية العامة.. واقفال المؤسسات الثقافية في المدينة. وبالمقابل هناك تكاثر في توزيع الاموال على فعاليات تقام حسب الاحياء والتقسيم الطائفي.. مما يعزز نزعة التفرقة والتباعد بين ابناء البلد الواحد.

 

القوى الاخرى – المعارضة

            خلال السنوات الماضية لم تستطيع المعارضة ان تقنع الاكثرية بمصداقية طروحاتها وذلك يعود لاسباب عدة، ومنها:

            - ان بعض من المعارضة كانت تقبل الانضواء تحت لواء عرسان لو اتاح لها عرسان ذلك.

            - ان العمل المشترك للمعارضة واجه انقسامات على خلفية القضايا السياسية والوطنية.

            - مواقف شخصية لبعض قوى المعارضة تضاربت مع قوى أخرى.

            - الاجتماع الذي عقدته المعارضة لتوحيد كلمتها، والتشاور من اجل اختيار مرشح واحد يمثلها لخوض الانتخابات القادمة، فشل بسبب اعلان الكثيرين عن انفسهم كمرشحين لرئاسة البلدية.

            - كشفت المعارضة عن مخططاتها، واعلن البعض من قادتها، الذين ينتمون الى القوى التي شاركت في الاجتماع الوحدوي، ترشيح انفسهم للرئاسة، مما يدل على انه ليس هناك من وحدة حقيقة بين عناصرها.

            - لم تقوم المعارضة بالتصدي لرئيس البلدية غداة مجزرة شفاعمرو، ولم تعتمد على تشكيل لجنة شعبية وطنية حقيقة.. ولم يكن لها برنامج عمل وطني وشعبي واضح، لرفع قضية شهداء المجزرة ومعتقليها بشكل يوحد اهالي المدينة حولها بصورة قاطعة.

            - لعبت المصالح الفردية والشخصانية والفئوية دورًا وتقاطبًا بين قوى المعارضة.. مما نفر الناس منهم.

            - هناك بوق اعلامي يخدم عرسان ياسين على مدار ايام الاسبوع.. تربط بينه وبين عرسان ياسين مصالح مالية، وقد اعتمدت المعارضة على هذا البوق لتسويق افكارها، على الرغم من انها تعلم علم اليقين، انه قائم على خدمة مصالح عرسان ياسين.. وكان الاجدر بهم مقاطعته والبحث عن وسيلة اعلامية بديلة تمكنهم من الوصول الى الناس.

 

الانتخابات القادمة

            هناك واقع وظروف موضوعية موآتية لاسقاط عرسان.. خاصة اذا ما عدنا الى المصلحة العليا الاهم لتاريخ شفاعمرو ومستقبل ابنائها.. اذا كان ذلك اعتمادًا على الواقع التعليمي والثقافي، او اعتمادًا على المواقف السياسية التي يعلنها عرسان بين حين وآخر.. فهذه عوامل كان بالأمكان توظيفها لاسقاط عرسان وايجاد البديل الحقيقي الذي يليق بهذه المدينة واهلها.

 

            الامر الاكثر تعقيدًا، هو اعتماد المرشحين مقابل عرسان، على تقسيمات طائفية، هي جزء من الانقسام الطائفي الذي يضمنه عرسان على اساس الثلثين والثلث. ومعنى ذلك، ان نجاح عرسان جاء نتيجة ضمان ثلثي الشارع المسيحي والدرزي.. والثلث الاسلامي، (اسف لاستعمال هذا التعريف.. فهذا هو الواقع). هذه المعادلة تعطي لعرسان ما نسبته 40% من الاصوات.

 

            اذا بقي الحال على ما هو عليه من تشرذم المعارضة، المتمثلة في قوائم  العضوية.. والباحثة عن تحالفات لضمان تمثيلها، في حال تغيير نسبة الحسم، ولكي تتمثل في المجلس البلدي القادم عليها تجاوز نسبة الحسم، أي ما فوق 2%.. فان ذلك سينعكس سلبًا على اختيار مرشح واحد يقف بوجه عرسان.

 

            هذا الترشيح المتزايد للشخصيات التي تطرح نفسها بديل لعرسان.. منها من هو جاد ويستحق ان يكون في هذا الموقع، ومنها من هو ادآة في يد عرسان، تطرح ذاتها كي تحدث البلبلة والفوضى، وكي تشكك في مصداقية الآخرين واعلان ترشيحهم.. مما لا يترك امام الناخبين اية فرصة لاعتماد مرشح واحد يكون بديل لواقع عرسان.

 

            الخيار الوحيد لتغيير عرسان هو اقامة لجنة حيادية تدرس كافة الاقتراحات المعلنة.. وتضع برنامج موحد لقوى المعارض، اضافة الى وضع خطة اعلامية وخطة عمل زمنية صارمة، يلتزم بها كافة الاطراف.. تنضوي تحت لوائها كافة القوى والشخصيات المؤمنة بان شفاعمرو تستحق الافضل.. وان مصلحة شفاعمرو العليا فوق كل مصلحة فئوية او طائفية. عندها، نحتكم الى العقل بدل العاطفة.. ونحتكم للمصلحة العليا بدل المصلحة الفئوية والشخصانية.. عندها فقط يمكن ان يسقط عرسان.

 

الاحد 15.03.08