احتل الخلاف حول أيام العطلة الأسبوعية في مدارس شفاعمرو حيزًا كبيرًا من الاهتمام الرسمي والشعبي والإعلامي، وأصبح مثار جدل وأخذ ورد تحوَّل إلى نقاش بيزنطي عقيم انحرف عن جوهر المشكلة ولم يُوصل إلى الحل المطلوب. وفي خضم هذا الحراك الغوغائي البغيض لا بد من وضع النقاط على الحروف والشروع باستكشاف الأسباب الحقيقية التي تؤدي لحصول مثل هذه الحالة.

 

إنني أميل إلى الاعتقاد بأنه لا يمكن فهم ما يحصل دون الرجوع إلى العامل الأساس الذي يُعتبر مصدر غالبية المشاكل التي تعاني منها مدينة شفاعمرو، وهو الواقع الطائفي الذي نكتوي بناره بشكل شبه دائم، إنه واقع مولِّد للأزمات المتتالية التي كلما ننتهي من واحدة منها نكون على موعد مع الأزمة القادمة وهكذا دواليك. بناءً على ما تقدم فإن الخلاف حول العطلة الأسبوعية هو ابن شرعي للطائفية المستشرية في الجسد الشفاعمري المريض.

 

بنظري ما كان لهذه الأزمة أن تستفحل لولا وجود "زعماء" طائفيين كل همهم إشعال نار الفتنة وخلق الأزمات الطائفية التي تساهم في رفع أسهمهم في صفوف "جماعتهم"، التي يحرص كل "زعيم" من هؤلاء "الزعماء" على إقناعها بأن ما يقوم به يصب في خانة "مصلحة الطائفة"، في حين أنه بالحقيقة يكون قد أضر في سلوكه هذا بطائفته قبل أن يضر الطوائف الأخرى. لا يمكن أن نتوقع من هؤلاء "الزعماء" سوى العمل على تعميق الطائفية لأنهم انتُخبوا على أساس طائفي وتحت شعار "تمثيل مصالح الطائفة والسعي إلى حصولها على أكبر كمية من الوظائف والموارد".

 

من السخافة بمكان تصنيف المواطنين بين مؤيد ومعارض للتعليم أو التعطيل يوم السبت، فأنا ضد حصر المسألة بين "أبيض" و "أسود" علينا أن نختار واحد منهما. النقاش يجب أن يتعدى الأمور السطحية ويلج إلى عمق الموضوع الذي يدور حول سؤال جوهري هو : هل نريد أن نغرق في المستنقع الطائفي أم أننا نرنو إلى ترسيخ قيمة المواطنة في المجتمع ؟!

 

الخروج من الأزمة لا يكون عن طريق تبني حل توافقي يأخذ بالاعتبار "إرضاء" جميع الطوائف، لأنه حل معاق قد يسكِّن الأزمة إلى فترة زمنية معينة لكنه سيؤدي إلى إعادة فتحها فيما بعد. لذلك فالحل الحقيقي يبدأ بمعالجة هذه الوضعية بأدوات مُواطِنِية وليست طائفية آخذة بالاعتبار المصلحة العليا للمدينة ومواطنيها.

 

المصلحة العليا للمدينة تتطلب منا خلق وعي مُواطِني يقوم على أسس وطنية عَلمانية عابرة للطوائف، وهذا الوعي كفيل بالحد من وقع الاستقطاب الطائفي في شفاعمرو. لا شك أن القيام بهذه المهمة يقع بالأساس على الأحزاب الوطنية العَلمانية الفاعلة في المدينة والتي مطلوب منها المبادرة للسير بهذا الاتجاه. أشير لهذا الأمر مع أنه للأسف الشديد لم نسمع صوت الجبهة والتجمع وأبناء البلد ولم نعرف موقفهم من مسألة العطلة الأسبوعية، فلقد التزموا الصمت ولم يبدوا رأيهم بتاتًا تاركين المجال لشد الحبال الطائفي أن يأخذ مجراه.

 

شفاعمرو بحاجة ماسة إلى بروز طبقة سياسية جديدة تطيح برموز "العهد القديم" وتؤسس لواقع آخر تشكل مفاعيل المواطنة والعَلمانية والمجتمع المدني أهم أسسه. وهذا لا يمكن أن يتم إلا عن طريق "معاقبة" الزعامات التقليدية التي جرَّت علينا الأزمات، واستبدالها بقيادات عصرية حديثة تأخذ على عاتقها مهمة نقل مجتمعنا ومدينتنا الغالية من التخلف إلى الحداثة.

 

(شفاعمرو)