أعاد الكثيرون منا في عرض أسباب وقوع مواجهات طائفية في شفاعمرو إلى التربية كعامل مهم وأساسي في منع العنف، ولا شك بأن للتربية دور كبير هام، لكن يبدو أن تربية الشارع باتت هي صاحبة التأثير على النشء الجديد، وليس تربية المدرسة أو البيت. وقد هاتفني أحد الأصدقاء هذا الأسبوع ليروي لي حادثة وقعت معه، ومع أنها بسيطة ويمكن ان تحدث كل يوم إلا أنها تعكس تأثير "تربية الشارع" على النشء الجديد. فقد قال لي هذا الصديق أن محرك سيارته توقف عند دوار البريد نتيجة منحه حق مرور لسيارة أخرى، وفي هذه الأثناء، مر ثلاثة فتية فما كان من أحدهم إلا أن أسمعه كلمة فيها قلة حياء وقلة أدب، وأضاف صديقي أنه لو مكانه شاب صغير لوقعت "طوشة"، بينما هو فضل عدم الرد على السخرية والاستهزاء، لأنه لا يمكنه أن ينزل لمستوى فتية لا مسؤولية أو تربية لديهم، وقد نقل لي هذه الحادثة لأنقلها عبر الصحيفة علّها تشير  للأهل بضرورة تربية أبنائهم على القيم الخلقية.

في أيام خلت كان إذا تعطلت سيارة في الشارع يهرع الفتية والشباب لمساعدة السائق ودفع السيارة حتى يعود محركها للعمل، أو على الأقل لايقافها جانبا حتى لا تعيق حركة السير، ما جدوى نقل هذه المعلومة للنشء الجديد، هل يسمعون، هل يفقهون؟ اسألوا المعلمين في المدارس، من يستمع لنصائحهم وارشاداتهم، بل اسألوا الآباء من يهتم اليوم لتعليمات وكلام الوالدين؟ رحم الله تلك الأيام، وهل من بديل أو خطة تربوية يمكن أن تصل لحلول مناسبة؟ لا أظن ذلك فها هي وزارة المعارف تتخبط ومنذ سنوات، في وضع خطة تربوية للحد من استفحال العنف داخل المدارس، وقد طرح وزير المعارف الجديد، غدعون ساعر تعليمات جديدة تهدف الى فرض عقوبات على الطلاب العنيفين والرافضين للأنظمة التربوية، وما أن نشرت تلك التعليمات حتى قام معارضون لها، وفتحت صحيفة "هآرتس" زاوية يومية لمناقشة الموضوع وتبادل الآراء حوله.

وفي مجتمعنا وصلت الأزمة ذروتها في فقدان البوصلة لدى جيل الكبار والصغار على حد سواء. فالجيل الجديد يقود "ثورة" متنامية كسر من خلالها كل التقاليد والأعراف التي لا يحسن جيل الكبار سوى التباكي عليها، ونسوا قول الإمام علي بن أبي طالب الذي قال قبل أكثر من ألف سنة "ربوا أولادكم لزمان غير زمانكم" وردد من بعده جبران "أبناؤكم ليسوا لكم"، فهل انتبهنا الى أن أبناءنا نشأوا في عصر التكنولوجيا الحديثة والانترنيت، ولكن كيف يمكننا أن نتعامل معهم ونحن نجهل التعامل مع الأجهزة التي يجيدونها أفضل منا أضعافا؟

والتربية لا تتوقف عند المدرسة أو البيت، كما يظن البعض ونسمعهم دائما يرددون هذه اللازمة، وخاصة في الأزمة الأخيرة وكأن أولئك وخاصة من أصحاب المناصب والمسؤوليات معفيون من مسؤولية التربية، ودورهم يقتصر على التنظير والمناشدة والقاء المسؤولية على الغير. فرئيس الدولة ورئيس البلدية والوزير مسؤول أيضا وعليه أن يقدم النموذج للنشء الجديد، وربما يكون تأثيره من خلاله سلوكه أكبر من تأثير المعلم بنصائحه المكررة أو ارشادات الوالد المملة، فالمسؤول ممكن أن يكون حالة محاكاة من قبل النشء الجديد، فماذا نتعلم من مسؤول منتخب في برنامج اذاعي أو تلفزيوني لا يدع مجالا للمواطنين لمناقشته أو استجوابه، فياقطع هذا ويمنع ذاك ويرد بحدة وعصبية على ثالث، وبدل أن يجيب عن الأسئلة يقوم بتصفية حسابات مع من لم ينتخبه بالأساس، فأي نموذج ديمقراطي تربوي، يقدمه هذا المسؤول لجمهور المستمعين وخاصة للجيل الجديد؟ من الخطأ أن يظن هذا المسؤول أو ذاك أن دوره يقتصر على توجيه التعليمات للهيئات التدريسية بتربية النشء على قيم الديمقراطية والتربية السليمة، ويقوم هو بممارسة النقيض. في هذه الحالة سيفقد المسؤول مصداقيته في عيون المواطنين، وسينطبق عليه قول الشاعر "... عار عليك اذا فعلت عظيم."

وهكذا لا يعفيَنّ أحد نفسه من مسؤولية التربية طالما هو في موقع المسؤولية، فهل عضو البلدية أو الوزير أو النائب متحرر من التربية ويحق له ممارسة سلوكيات خارجة عن الأخلاق أو القيم بحجة أنه انسان "سياسي" وليس "تربوي"؟ اذا لم يلتزم كل انسان بقيم التربية فلن تنتشر التربية في اوساط النشء الجديد، ما لم نحقق قول النبي العربي الكريم "كلكم راع وكل مسؤول عن رعيته". ولا يحق لأحد أن يتنصل من المسؤولية في العملية التربوية مهما كانت وظيفته أو كان موقعه.