لمتي؟!

عذراً فلسطين فلم أعد حيزا من الفرح لأغني لحن العزة ، وأكتب لك قصائد الحب والعشق التي تعلمتها من ثراك ، وأزهارك ، وسهولك ووديانك ، من بحرك وسمائك ، عزتك وكبريائك ...

عذرا لم أعد أقوي على التفكير والتحليل وإخضاع الحالة للمشرحة الفكرية ، فلم يعد هناك قدرة على اعتصار الألم بخلايا الدماغ والمخ والخلوص بنتيجة لما يحدث فوق أرضك وتحت سمائك ، بين ثناياك ومع أبناءك .

تلطمنا اليد المبتبندقة بسلاح القربى يميناً ، وتقصفنا الغربان المتصهينة شمالاً ، نستيقظ من سباتنا  ، نغادر فراشنا الدافء لنبدأ يومنا باسم الله أمام شاشات التلفزة لتبدأ عملية الإحصاء مع كل بداية يوم لعدد من سقطوا ، والجرحى ، والبيوت المدمرة ، والأراضي المجرفة والمصادرة ، والمدن والمحاصرة ووووووووو ...

بدأت أمس ألملم جراحي التي شاهدتها في شوارع غزة تخط بالبندقية والعصي حكاية لم أعشها من قبل ولا أريد أن أعيشها بعد ، وتمنيت أن لا أعيشها نهائيا ، ولكن عشتها ورأيتها وعشت فصولها تحت لسعات البرودة السياسية وقشعريرة الخوف والرعب من اللثام الأسود المتزنر بالعصا والسوط والبندقية مضيفا أداة مقص الحلاقة ، تناغمت الأدوات وتلاحمت ونسجت قصة جديرة بالوقوف أمام حبكتها وسردها كأحد الفصول الجديدة التي لا بد وأن تضاف لكتاب (قول يا طير ) الذي شهد حرب داحس والغبراء الفلسطينية قبل عام ، كون هذه القصة تأتي ضمن التراث الفلسطيني الذي سيكون له الكلمة العليا في قادم المراحل التي سترمم الهوية الفلسطينية وتعيد أحياء معاني الثأر والانتقام مع استقبال عام 2008 الذي أحتفي به كل العالم بالمشاعل والقناديل ، بالأمل والحب ، كما احتفلنا به نحن بإيقاد المشاعل والقناديل وأهازيج الفرح الشاخصة بعيون أطفال سرقت الابتسامة من قلوبهم ، واستقبلوا العام يعزفون على قيثارة العصا لتحتفل معهم وتهوي على رؤوسهم متوجه لهم العام بتاج الألم ، ولا احتفال يضاهي عظمة احتفال الطفل نضال شراب الذي لم يحتفي طفلٌ علي مدار التاريخ باحتفاله ذو الطقوس الخاصة ، وكيف لا وهو وجد نفسه يهوي من الطابق الخامس صريعا صرخات العام الجديد بمهرجان احتفالي عظيم وفريد ، وهناك من احتفل على نغمات المقص وهي تقتص من شعيرات شاربه بنكهة فلسطينية خالصة ، وتقليعة تدخل صدر القرن الحادي والعشرون بعنوان فلسطيني ونكهة فلسطينية المذاق ، وحصرية الملكية والماركة ، حتى خشيت على شاربي فقررت التخلص منه بإرادتي حتى لا اخضع لعملية احتفالية قصريه رغم عن أنفي وأنف من يكرم لي .

مرت ساعات الفجر وأطلقت عقارب الساعة العنان لدقائقها تخترق صوت الرصاص والعصا حتى انتصف الليل وعمت الأهازيج تستقبل العام الجديد ، وكم هي رائعة الشموع وهي تضيء شتي بقاع المعمورة ، رائعة بحجم روعة ماسانا التي نعيشها ونحن نضيء احتفالاتنا بأجساد القتلى تسع قناديل مضرجة بالدماء تستقبل عام جديد وآلاف الشموع الراقدة على أسرتها بمستشفيات غزة في مستشفيات فقيرة الدواء والأطباء ....

غزة ... احتفلت ، نعم احتفلت كباقي المخلوقات ولكن احتفالها بمذاق خاص ، تسع قتلي سجيت جثامينهم في لحد اللاعودة ، وعشرات الجرحى ، ونسف المنازل ، وحصار الأحياء ، وملاحقة الفتية في الأزقة وأسطح لمنازل ، وحرق الرايات ، نعم احتفلنا على نغمات نحيب النساء ، وعويل الرجال ، فالمحتفل ضحية احتفاله ، والملثم ضحية غبائه ، وفلسطين ضحية الجميع ، فمن صاحب الحفل يا تري؟؟

بنو صهيون ؟ الامبريالية الأمريكية ؟ البسطار الاستعماري ؟ نعم إنهم أمس أخلوا الطرف  لنا لنحتفل على طريقتنا العربية – الفلسطينية  ، تركوا لنا الفضاء والأرض لنحتفل معاً ، فكان المُحتفل وصاحب الحفل فلسطيني – فلسطيني .

غادرنا اليوم الأول من العام الجديد وهناك تسع أمهات يودعن أبنائهن بالدموع والشموع ، وداع ممنوع فيه رفع راية ، وإطلاق زغرودة ، وانتصاب هامة ، فهذا الغلام سقط كما سقط شارب هذا الرجل كبير السن والمقام الوطني ، سقط كما سقط نضال شراب ، وكما سقطنا جميعا  والسقوط هنا في سفر العار وليس أسفار التاريخ والشرف .

مع وداع اليوم الأول من العام الجديد تفاءلنا بيوم أخر نقحمه في أجندة الفرح لهذا العام ، هذه الأجندة التي لم يخط بها سوي القليل عبر قرن من الزمان ، فتفاءلنا وقلنا عسي أن يطرق الفرح والابتسام حياتنا مع إطلاله عام جديد ، ولكن استيقظنا كعادتنا اليومية ، وكطقوسنا التي تعودنا علي إحيائها كل صباح متلهفين لمشاهدة الفضائيات علها تنقل شيء جديد ، ولكنها تأبي إلا أن تدخل الحزن لقلوبنا ، فاستقبلتنا بست شهداء ، وأصبحنا بدماء تتدفق ، تنزف ، دماء لم ترحم شقاءنا وبؤسنا ، عادت الرحالة الصهيونية لتؤكد إننا لا زلنا نعيش في فضاء الغباء الذي نريد الهروب منه والعيش بوهم إننا أحرار .

ست شهداء مع ست أمهات جدد تنظم لحفلة البكاء ، ولكن شتان بين تسع أمهات نحبن فلذات الكبد في اليوم الأول من العام ، وست أمهات نحبن فلذات الكبد في اليوم الثاني من العام ، فأم الأمس احتفلت بألم فلسطيني ، وجرح فلسطيني من عمق كفها المرفوع داعيا لرب العباد بالستر والنجاة ، أما أم اليوم فهي تحتفل بقربان دفعته ثمن للوطن التي أبي بنو صهيون تفويت يوما أخر بلا دماء ، وتقديم هدية رأس السنة لنا.

لمتي؟!

أمي .. أختي .. أبنتي ... لمتي ؟ سنبقي نحتفل بالدماء والآهات ، لمتي ؟ ستبقي أصوات البكاء تقتحم عرين الأسود ، ومحراب تعبدنا ، وشغاف القلب المكلوم ، لمتى؟ لمتى؟ ستبقي منازلنا يملئها صدي البكاء والنحيب.

هل أدرك الفلسطيني المتزنر بعصاه إنه لا يسوي نعال طفلُ ألقاه من سطح منزله وهو يشعل قنديل الفرح ؟ وإنه لا يسوي نعل حذاء أم عاد لها وليدها مضرجا بدمائه ومسجي على فراش الحزن ، ولا يسوي نعال شيخ أبكاه ما رآه أمس ؟

أقولها إن الفلسطيني الذي يستأسد على شعبه وأهله ، وعرضه ، وشرفه ، وأمه ، وأخته ، وأبنه ، لا يسوي نعل من نعال الأطفال ، ولا سوي أن ينال اسم فلسطيني .

أفيقوا فأنتم نعاج تُعد للذبح ، نعاج تحاول أن تستأسد وتتخذ من كلمة تيس لقب قاعدة لها في الفهم والعقل ، ومن الحمار الغباء .

ها هي رسائل صهيون تأتيكم وكل يوم تخط لكم عنوان عريض وأنتم تعبثون بهذا الشعب وتلك القضية ، أفيقوا ففلسطين محتلة تداس كرامتها يوميا، استيقظوا من سكر الغباء ، وتياسة البهائم التي تعيشون فيها ، وغياب العقول وعمي الأبصار .

ففلسطين محتلة ولا مكان للأوهام والخيال ... فهل أدركتم إننا أبطال من ورق ؟

سامي الأخرس

2/1/2008