بقلم: زياد شليوط

أهداني الأستاذ الياس جبور جبور مشكورا كتابه الجديد "من شذى شفاعمرو"، وشعرت بفرح غامر عندما أمسكت بالكتاب وتصفحته سريعا، بشعور ممزوج بالاعتزاز والحنين للماضي وبشغف كبير لقراءة الكتاب بنهم كبير وهذا ما فعلته، فرحيق شفاعمرو وشذاها المنبعث من أمجاد ماضيها، يجعلني ضعيفا أمامه وكم بالحري عندما تكون مادة مشوقة تتحدث عن الناس والمواقع التي شكلت صفحات رائعة من تاريخ شفاعمرو الحديث، الذي نشأنا على أواخره ونتذكر شذرات منه ينقلها لنا في كتابه أبو جبور، تجعل أحاسيسنا تتحرك وتكاد الدموع تطفر من العيون وهي تقرأ عن تلك الأيام المجيدة.

ونتجول في صفحات الكتاب بعد المقدمة القصيرة التي يوضح من خلالها الكاتب أن الهدف من كتابه هو تقديم "شذرات" من تاريخ شفاعمرو ولا يهدف لأن يقدم لنا دراسة أو تسجيلا كاملا للتاريخ، وهي صفحات تعبق بشذى الماضي، ومن هنا تسمية الكتاب، فهو يقدم لنا إضمامة تعبق برائحة الماضي المجيد لشفاعمرو، وعلى هذا الأساس سنتعامل مع الكتاب.

في البداية يقدم لنا أبو جبور نبذة عن "سرايا شفاعمرو" والتي تعتبر من أهم البنايات ان لم تكن أهمها في شفاعمرو ولهذا بدأ الحديث من السرايا. بعدها نقرأ لمحة تاريخية عن بلدية شفاعمرو، تتحدث عن دواعي تشكيل البلدية والفترة الأولى من عمرها ثم الفترة الذهبية لها أيام رئاسة المرحوم جبور جبور (والد المؤلف) والطويلة، التي شهدت أحداثا جساما وفاصلة وخاصة عشية النكبة وقيام اسرائيل وما شهدته البلاد من وقائع تتطلب عملا مسؤولا وحكيما.

ان المعلومات التي يقدمها الأستاذ الياس هنا هامة وضرورية، ولهذا شعرنا أنها لم تستكمل أو جاءت موجزة، ولهذا كان العنوان "لمحة" وبرأيي أن هذا الجانب يحتاج الى أكثر من لمحة أو وقفة، انه يحتاج الى استعراض موسع، لما يعكسه من مرحلة تاريخية هامة وربما تكون الأهم من تاريخ بلدية شفاعمرو والبلدة عامة.

وننتقل الى مواقع هامة من شفاعمرو من القلعة التاريخية الى باب الدير الى السوق القديم الى باب الحواصل، وكلها أماكن، بل معالم رئيسة وأساسية ساهمت بتشكيل تاريخ شفاعمرو نظرا لأهميتها التاريخية ولأنها أساس الأماكن الأولى التي شكلت جغرافية وتاريخ شفاعمرو، وبدون الأهل والناس لما كان للأماكن تلك الأهمية، لذا يسرد لنا الأستاذ الياس بكل متعة قصص وروايات عن أهم الأشخاص الذين لعبوا دورا في تكوين تاريخ شفاعمرو وهويتها وواقعها على مدار سنوات، فنستعيد شخصية الحمال أبو معروف الاشتراكي الأول كما يسميه، ونعيش مع منادي القرية تلك الأيام التي شكل فيها وسيلة الاعلام الرئيسة، ثم الفران وفرنه الذي شكل اذاعة القرية في ذلك الحين، ونعرج على بائع الزعرور وبائع العنبر الذي كنا نترقب قدومه للحارة لنشتري ونتلذذ بطعم عنبره وهريسته. ورغم المتعة وندرة المعلومات، إلا أنني شعرت بشوق الى المزيد، فما أورده أبو جبور عن تلك النماذج النادرة من الشخصيات الشفاعمرية لم يشبع حب الاستطلاع عندي، وربما عند آخرين، وأظن ان تفاصيل أخرى نحتاج اليها لنرتوي من سيرة تلك الشخصيات، التي تعكس مرحلة تاريخية مرت على مدينتنا العزيزة.

ويتوقف الأستاذ الياس عند المؤسسات الأولى التي لعبت دورا مركزيا في حياة شفاعمرو وأهلها الطيبين، فال جانب البلدية، كان دير الراهبات الذي أقيم وبني عام 1861م ولعبت من خلاله الراهبات الفاضلات دورا يسجل بحروف من ذهب في تاريخ هذه المدينة العريقة، فكن أول من فتح مدرسة للبنات لتعليمهن وتربيتهن على القيم والأخلاق، كما افتتحن أول عيادة طبية في المدينة أطلق عليها الأهالي اسم "المحكمة" كما كانوا ينعتون الطبيب بلقب "الحكيم" من الحكمة أي العلاج. ويحدثنا عن المدرسة الأسقفية وفضلها على أبناء البلدة من كل الطوائف بتعليمهم وتثقيفهم، وكذلك مدرسة "المكتب" أول مدرسة رسمية في شفاعمرو، ولا ينسى استعراض أسماء المديرين والمربين الذين علموا في تلك المدارس وأفضالهم وصفاتهم التي عرفوا بها.

وهناك مادة مميزة وهامة وهي قصة المستشفى الذي لم يستكمل وتم وأد فكرته والمشروع العظيم وبعد انشاء البناء الذي طالما حلمت به شفاعمرو، وكان هذا أحد الخسارات الجسيمة لشفاعمرو، والتي ما زالت مرارته ترافقنا حتى اليوم.

والكاتب لا تقل مرارته عن أي شفاعمري آخر، وعندما يكتب عن تاريخ شفاعمرو، فهو يكتب من منظار الانسان الناقد أيضا، وليس الحافظ فقط، ولهذا وربما، بدون قصد، تتداخل نظرة الانسان المسؤول الناقد للظواهر الشاذة، ولابتعاد الناس في زمننا عن تاريخ وتقاليد الأجداد والآباء، وتخليهم عن القيم التي سادت مجتمعنا الى وقت ليس بالبعيد، وهذا يؤدي بالكاتب الى توجيه الملاحظات الناقدة والمحذرة من تبعات تلك الأمور، غما في مقدمة أو خاتمة تلك الشهادات التاريخية، وأسوق هنا أمثلة عينية على ذلك.

في سرده لقصة مشروع بناء مستشفى في شفاعمرو، ضمن أبو جبور سرده انتقادات لمسؤولين وجهات فرطوا بشكل أو بآخر بالمشروع الحيوي، وسعي بعض الأطراف الى تحويل البناية الى استخدام المدرسة الثانوية، كما أشار الى دور الحكومة السلبي وسعيها لوأد المشروع، ويختم القصة بالقول " ولربما تكون الحكومة بهذا قد حققت بعضا من أهدافها المبطنة وقد نكون نحن قد ساعدناها على ذلك سواء عن قصد أو عن غير قصد!!" ص81 وفي حديث عن مدرسة "المكتب" ينتقد الكاتب هدم البناية القديمة للمدرسة والتي شيدت من حجارة القلعة، والتفريط بقيمتها التاريخية بدلا الحفاظ عليها، ص31. ويختم أبو جبور مقالته عن باب الدير بتوجيه عتاب ولوم للناس وخاصة من الشبيبة الذين يجهلون ما قدمه دير الراهبات من خدمات جليلة للبلدة وأهلها عامة، فيقول" أيها الناس رفقا بهؤلاء الراهبات!!.. ورفقا بأعصاب من يقود سيارته أو تقوده قدماه أو يقوده حظه العاثر ليمر من هناك في هذه الأيام ليرى ويشاهد هذه الأوضاع!!.. أيها الناس يا حبذا لو تعيدوا لهذا الموقع بعضا من اعتباره المفقود، وعزه القديم، ومجده التليد وإن كنت أعرف أن الأمجاد الغابرة لن تعود!!.. رحم الله أيام زمان!!.." (ص 110) فهل من يسمع أو يستجيب؟!

ملاحظات على الكتاب

من خلال قراءتي للكتاب ورغم استمتاعي أثناء القراءة، لاحظت بعض الهفوات التي لا تنقص من قيمة الكتاب، لكنها تسبب الازعاج حرصا على أن يكون العمل متكاملا، وأظن أن سبب وقوع تلك الخطاء من لغوية ومطبعية وغيرها جاء تحت ضغط السرعة في اصدار الكتاب، وحبذا لو راجعه المؤلف مراجعة دقيقة قبل دفعه للمطبعة لتحاشى بعض الهفوات التي تسيء للكتاب، وهنا أستعرضها ليس من باب النقد فقط، بل من أجل تفاديها في الطبعات القادمة والانتباه أكثر للكتاب القادم، إن شاء الله.

أخطاء في اللغة:

في ص26 ورد: تحوي بين جدرانها تاريخ مجيد." والصحيح: تاريخا مجيدا. في ص 33 سطر 1 وردت كلمة "مدارسا" وهي ممنوعة من الصرف لذا يجب أن تكتب "مدارس". في ص37 يتحدث عن الراهبات بصيغة المذكر: لترحيلهم، لمنعهم، بقائهم والصحيح : لترحيلهن، لمنعهن، لبقائهن. وفي نفس الصفحة " كان من الطبيعي أن يقمن هؤلاء الراهبات.." والصحيح :كان من الطبيعي أن تقوم هؤلاء الراهبات.

في ص38 جاء :160 بنت مسيحية والصحيح بنتا. وفي صفحة 39  جاء: وكان أخاها، والصحيح كان أخوها. ص51 أنشئوا والصحيح أنشأوا.

ص57 جاء : والخارجيون والصحيح والخارجيين لأنها معطوفة على "الداخليين" التي سبقتها. كذلك المئة والأصح أن تكتب المائة.

ص97 جاء "دون ابطأ" والصحيح: دون ابطاء. وفي نفس الصفحة ورد "أثارت انتقادا واستياء شديدا. والصحيح أن نقول: شديدين.

ص108 جاء:وراهباته يغلقون أبوابه" والصحيح: يغلقن. وفي نفس الصفحة جاء: "وتعليمهم" والمقصود تعليمهن لأنها تعود للبنات.

ص109 ورد : "وآخرون غيرهم مما كانوا.." والصحيح أن نقول ممن لأنه يتحدث عن العقلاء.

أخطاء سهو:

ص70 أسماء مواقع أراضي شفاعمرو تكرر الاسم أكثر من مرة مثل: الشكارة، وادي الصقيع، أم راشد.

ص28 جاء "الأستاذ نعيم مخول من البقيعة أطال الله في عمره." وفي ص77  جاء "السيد يوسف الدر، أطال الله في عمره." ومن المعروف أن الرجلين رحلا عن عالمنا قبل طباعة الكتاب بوقت كاف، لذا توجب أن يقال "رحمه الله"، فالأستاذ نعيم مخول توفى قبل سنوات كما أذكر، والسيد يوسف الدر (أبو رامز) توفى في شهر أيار عام 2007.

أخطاء مطبعية

ص29 ورد: كان (مديره ا) والمقصود : مديرها. وفي ص32 سطر 2

ورد "فيه" بدلا من "فيها". وفي ص49 ورد (العثمايين) والصحيح العثمانيين. وفي ص51 ورد (بواستطها) أما الصحيح بواسطتها.

إن ما أشرنا إليه من هفوات، لا تنقص من قيمة الكتاب، هذا الكتاب الذي كنا نريد أن يتوسع في بعض النواحي ويختصر من الأخرى. إنه جدير بأن يسكن في كل بيت شفاعمري، بل في قلب كل انسان شفاعمري، لأنه جزء من تاريخنا، من هويتنا، من حياتنا، فهل يمكننا الانسلاخ عنها؟!