لا شك ان الصراع العربي – الاسرائلي بات يعد اكثر الصراعات التاريخية تعقيدا,لحدة ارتباطه بقضايا شتة, العالمية في بعضها, والعربية في بعضها الاخر. فلقد بات جليا ان الحل العادل للقضية العربية الفلسطينية مقرونا بالحل العادل للمسألة العربية ككل, فحل "المسألة العربية" هو العامل الحتمي لحل "المسألة الفلسطينية" وليس العكس, كما اعتقد مروجو "التسوية"  كمحاولة لتبرير وادلجة إخفاقاتهم من اوسلو مرورا بجنيف وصولا الى مؤتمر انبوليس او للدقة "انا-بوليس" , مع هذا فاني سأخص بحديثي هنا حول دائرة من دوائر الحل العربي وهي "المسـألة الفلسطينية" مع تشديد على وضعية الأقلية العربية داخل الخك الأخضر

 لإشكالية هذا الصراع ابتداءا من بدايات  بحث "المسألة اليهودية" في اواخر القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا, ظهرت خلال هذه الحقبة الزمنية – بثابتها  ومتحولها-  الكثير من المقترحات وقد يتكافل ويتناغم بعضها مع التطلعات القومية والوطنية للشعب العربي الفلسطيني, وينتقص بعضها هذا النوع من التكافل.

 ما شهدته الساحة الفلسطينية مؤخرا من أحداث تلت التوقيع على اتفاقية اوسلو, من تكثيف للبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية, واللذي بموجبه لم تنسحب اسرائيل من المناطق المحتلة بحيث أبقت على 72% من اراضي الضفة تحت سيادتها. ثم تكثيف الحواجز, والشروع ببناء جدار الفصل العنصري, واندلاع الانتفاضة الثانية, وصولا الى احداث غزة. ادت جميعها الى التسليم بإخفاق "عملية التسوية ", والتيقن بان حل الدولتين (دولتان لشعبين) بات لا يلوح في الأفق. بالإضافة لكونه اكثر الحلول اجحافا بعدالة القضية الفلسطينية, وتدميرا للتطلعات الجماعية للاقلية العربية الفلسطينية داخل اسرائيل, وطمسا لحق العودة, ولادنى المتطلبات الفلسطينية الوطنية. فمحصلته الحتمية هو "دولة" بحكم بانتوستاني.

 ولقد لاح في الافق ومنذ بدء الصراع حلول شتة تقضي بإنشاء دولة ديمقراطية علمانية, الحل الذي طرحته منظمة التحرير الفلسطينية في بداياتها, وحل الدولة الثنائية القومية الذي تبناه الكثير من المثقفين: نديم روحانا, وعادل غنيم. ولعل اكثر الحلول حداثة ما يسمى " دولة جميع المواطنيين" بجانب دولة فلسطين, الحل الذي روج له المفكر عزمي بشارة, والذي يتبناه حزب التجمع الوطني في الداخل.

 ولكني اعتقد ان الحل الذي نتوخاه ينبع في التطرق الى المسألة  من القاعدة الى الهرم, اي باعادة صياغة مفهومنا للحل, ومقاييس ومعايير الحل الأمثل الذي يمزج بين المحافظة على الثوابث الجماعية والهوياتية وبين امكانية التطبيق, فاالتغني بالواقعية (كمروجي فكرة دولتان لشعبين) بعيدا عن الايديولجية والثوابت يجعل المرء اسيرا لعملية "تسوية" يكون الانجاز الاكبر فيها تفكيك مستوطنة غير قانونية, والتغني بالايديولجة دون الالتماس للواقع وعوامله المؤثرة يجعل المرء اسيرا يدور في فلك ايديولجيته.

 اعادة صياغة المفهوم تأتي في اطار اعادة صياغة سؤالنا من " ما هو الحل الأمثل؟" الى " ما هي المتطلبات  التي على الحل  تلبيتها او سدها؟" فالثاني هو المجيب الادق على الاول. وقد تكون الاجابة على السؤال الثاني بسيطة بسرد بسيط لأهم التطلعات القومية والهوياتية, وسرد للعوامل الثلاثة المكونة للمثلث الفلسطيني: 1. الفلسطنيين في الضفة والقطاع, 2. اللاجئيين الفلسطنيين 3. الاقلية العربية الفلسطينية. فالحل الأمثل هو من يضمن تحصيل حقوق جميع هذه المكونات لا تحصيل حقوق احد المكونات كشرط للتنازل عن حقوق المكونات الاخرى, كما تقتضي  عملية "التسوية".

 فالحل الذي يفي للمثلث الفلسطيني حقوقه يكمن في خيار "دولة ثنائية القومية" بجانب دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة وتفكيك المستوطنات, مع المطالبة بانشاء" اتحاد فيدرالي متجدد" فيما بينهما "نيوفيدرالية", واشدد متجدد لاختلافه عن مبدأ الفيدرالية الكلاسيكية, الذي يمهد الى انشاء دولة واحدة علمانية في المدى البعيد. ولكن قبل الدخول في امكانية تطبيق هذا الحل واستبيان اسقاطاته وتداعيته, لا بد من الاشارة الى افضلية هذا الخيار على خيار "دولة لجميع مواطنيها" مع ايجابيات هذا المقترح.

 ان حل "دولة جميع المواطنيين"  الذي روج له المفكر د.عزمي بشارة وتبناه الكثير من المثقفيين يعد من اكثر الحلول حداثة, ويمكن اعتباره حلا جيدا ولكنه يبقى في اطار الحل المرحلي الانتقالي وليس حلا للمدى البعيد, مع الاشارة بتحدي هذا الحل للصهيونية ويهودية الدولة, وما تبعه هذا التحدي من ملاحقة سياسية للحزب ورئيسه السابق.

 فالحل يجمع ما بين الحدائة او حتى "ما بعد الحداثة" والحقوق الجماعية والواقعية , اذ انه  يقوم على مبدأ "امة المواطنيين" التي تستمد حقوقها من مواطنتها في الدولة, اي ان المواطنة هي مصدر الحقوق وليس الانتماء الى شعب او هوية جماعية معينة كما هو الحال في اسرائيل. ولكن هذا الشعار( شعار "دولة المواطنيين" ) يركز على البعد "المواطناتي" اكثر منه البعد الجماعي القومي, اذا انه وكما جاء على لسان مروجيه فهو يعد حلا وسطا مع الدولة, ولكننا نرى اسقاطات هذا الحل على هوية الدولة اذ تعتبر الدولة " دولة المواطنيين" تحوي قوميتين, وليست دولة "ثنائية القومية" تحوي مواطنيين من هويتيين جماعيتين. الحل (دولة جميع المواطنين) يمركز الهوية المواطناتية المشتركة لجميع المواطنيين ويهمش او يقلل تركيزا على الهوية القومية المختلفة للمواطنيين.

 انا لا انفي حل " دولة المواطنيين" ولكنني وبعكس البعض ارى انه المرحلة التي تلي " الدولة الثنائية القومية" او "دولة كل قومياتها", اذ ان الفكرة القائلة "امة المواطنيين" تعد بتقديري من مخلفات فكر " ما بعد الحدائة" او " ما بعد البنيوية" . فتكون الدولة الوطنية التي تنتقل من "دولة ثنائية القومية" او "دولة كل قومياتها" الى " دولة المواطنيين". اما طرح "دولة المواطنيين" الان فلا يأخد بعين الاعتبار هذه السلسلة الحتمية التمرحلية.

كما علينا الاّ ننسى البعد النفسي الذي من الممكن تشكله على اثر طرح حل "دولة المواطنين" كحلا نهائيا, اذ ان الامر يوحي كأن القضية حلت من جذورها, مع انها ليست كذلك فهو حل في اطار الهرم الاسرائيلي وليس من قاعدته. اذ يصبح مطلب "دولة المواطنين" هو المطلب النهائي السحري الذي بنيله نحقق تطلعاتنا الجماعية , الأمر الذي يذكرني بالحالة النفسية المختلقة والمبلورة في اذهان الكثير من "عرب الداخل" ابان وفي اعقاب طرح حل "دولتان لشعبين" وتبني هذا الطرح لدى الكثير من المثقفين, ولدى حزب من احزاب الداخل. فلقد شكل تبني هذا الطرح والترويج له كأنه الحل الأمثل الذي بتحقيقه تحل القضية وبالتالي ينتهي النضال, مع انه في الواقع ليس حلا للقضية بل تصفية لها.
اخشى من سلبيات الترويج لحل "دولة المواطنيين" وكأنه الحل البعيد المدى النهائي ان يبلور نفسيات مشابه يكون حلمها الأوحد تحقيق هذا الهدف ومن بعد فلا داع لنضال. ولخشيتي الشديدة على الوقوع بنفس الفخ فاني انوه واشدد ان المطالبة "بحل الدولة ثنائية القومية" عليه ان يرافق ويقرن اثناء وبعد تحقيقه بضرورة "الفيدرالية المتجددة", فالمطالبة والنضال من اجل الحل توازي النضال والتأكيد انه ليس النهاية بل مجرد اساسا وترابا صالحا نستثمره من اجل المطالبة بالنوع الخاص مما سميته "فيدرالية متجددة", الذي يمهد اوتوماتكيا لأتحاد حتمي بين الدولتين اتحادا يرافق بمزج وذوبان لهما..

وان الخيار الدولة ثنائية القومية مع مطالبة "فيدرالية متجددة" يهدف الى تفكيك المفهوم الصهيوني الكلاسيكي لدولة اسرائيل, المفهوم الذي يعتمد على حق تقرير المصير لشعب على حساب تهميش وتشريد الشعب الاخر, والمفهوم الذي يسعى الى المحافظة على الأغلبية بشقيها: السكانية, والاغلبية بالارض. المفهوم الذي يبقي اسرائيل اسيرة التناقض بين يهوديتها و "ديمقراطيتها" محولة نفسها الى "اثنو قراطية" ( الديموقراطية الاثنية) المصطلح الذي روج له (أ.د سامي سموحة).

  "دولة ثنائية القومية" بسيادة مشتركة  مع وزارتي معارف منفصلة هو اساس الحل العادل للاقلية العربية داخل اسرائيل. الدولة التي يسودها الطابع العلماني, فعلمانيتها هي الضامن الاساسي لحرية افرادها وجماعاتها, وحقهم في المساوة امام القانون, وفي حرية الفكر, وحرية الدين والعبادة. ان مبدأ ثنائية القومية لا يلغي اهمية المواطنة, فالمواطنة هي الضامن للحقوق المدنية على مستوى الفرد دون تمييز بين: عرق, دين, جنس, الخ. اما الحقوق الجماعية القومية الهوياتية للعرب واليهود, فمبدأ الثنائية القومية هو الضامن لها. ولن ادخل هنا في تحليل القومية اليهودية, فربما يختلف البعض حول هذا, ولكني اعتقد ان كل جماعة ترى بنفسها جماعة قومية فهي ليست بحاجة لاذن مني أو ايعاز من غيري, طالما مطالبتها بذلك لا يشكل تهديدا لي ولهويتي. فنعرييف القومية هو من اكثر الامور تعقيدا وربما كان احدثها وافضلها هو تعريف اندرسون لها " بالجماعة المتخيلة " (Imagined Communities).

 ان "دولة ثنائية القومية"  مع ممارسة حق العودة هو ليس الحل النهائي التام والشامل, ولكنه يشكل ارضا خصبة يستطيع حل الدولة الواحدة ان يثمر عليها, فهو يشكل النواه الاساسية للمطالبة بما اسميه "الفدرالية المتجددة", والتي تقوم على المزج بين دولتين, وحرية التنقل والتواصل الامر الذي  يضمن ليس فقط التواصل الروحاني الهوياتي, بل ايضا التواصل الفيزيائي مع ابناء شعبنا الفلسطيني, وهو تواصل الجسد بالروح. فالمبدأ يقوم على حكومة مركزية متصلة بوحدات حكومية اصغر, ولن اخوض في هذه المقالة باطالة الشرح حول هذا النوع من الفدرالية (ربما بمقالات لاحقة), ولكن من المهم لنا ان نعي اهمية قيام "الدولة الثنائية القومية" بجانب الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع, التي تشكل اساسا للمطالبة باتحادية معينة من نوع فيدرالية مميزة اطلق عليها "نيو-فيدرالية" كون الفدرالية نعنمد على وحدات حكومية كثيرة وجماعات ذي هوية مشتركة, بينما هنا يمكن تحديد عدد الوحدات وفق المصالح القومية الجماعية مع سيادة مشتركة. الامر الذي يسهل انشاء الدولة الواحدة على كل التراب التاريخي.

 ان اقتراح "الدولة ثنائية القومية" ليس بالجديد بل اكثر من ذلك ,قد كان صوت صهيوني ينادي به قبل 1948 من قبل "اتحاد السلام" والحاخام "بنيامين", كما ان مئير عميت كان قد اقترح الحل الفيدرالي, وحتى اطروحة الصهيونية الالمانية. بالاضافة الى مشروع نوري السعيد عام 1942, واللورد مورسون. وحينها لم تكن هذه المشاريع كما توصف اليوم بالبعيدة بعد القمر, والاهم انها لم تلقى هذا الرفض الكبير الذي تلقاه مثل هذه المشاريع في الاوساط الاسرائيلية.

 وهذا يشير الى ان مشروع "الدولة الثنائية القومية" هو التفكيك العادل والرافض لعنصرية "الاثنوقراطية" الاسرائلية, وهو الذي يضمن للجميع التمتع بحقوق جماعية عربا كانو او يهود, والتمتع بحقوق مدنية للجميع دون فرق في : العرق, الجنس , والدين. هذا هو المشروع الديمقراطي المشترك لسكان هذه البلاد, المشروع التحرري الذي يحوي البعد القومي, الوطني , والانساني معا.