فوق ممر خاص على أرضية الملعب التي غطيت بسجادة بنية، سارت مجموعة من النساء اللواتي ارتدين عباءات إماراتية تقليدية سوداء، وانتعلن أحذية بكعوب عالية، باتجاه مقاعدهن وهن يحملن علم الفاتيكان.

وجلس أيضا فوق المقاعد في وسط ملعب مدينة زايد الرياضية رجال ارتدوا الدشداشة التقليدية، وخلفهم آلاف من الهنود والفيليبنيين غلبت ألوان الأزرق والاصفر والأحمر على ملابسهم.

ولوّح أحد الحاضرين في مكان قريب بعلم فلسطيني.

وقبل ساعتين من بداية القدّاس، وهو الأول لحبر أعظم في شبه الجزيرة العربية، مهد الاسلام، غصّت المقاعد فوق أرضية الملعب وفي المدرّجات المحيطة بها، بالحاضرين.

وامتدت الحشود التي قدّرها المنظمون بنحو 170 ألف شخص، إلى خارج الملعب، حيث نصبت شاشة عملاقة لمتابعة الحدث الديني الفريد من نوعه في الخليج.

وحافظ المصلّون على هدوئهم إلى أن وصل البابا في سيارة مكشوفة بيضاء اللّون عند الساعة 06,00 ت غ، فتعالت الصرخات فرحاً.

وقامت السيارة بجولة في الملعب، يرافقها حراس ارتدوا بزات سوداء، وسط صيحات "فرنسيس، فرنسيس".

وقالت لوسي واتسون (61 عاماً) لوكالة فرانس برس والدموع في عينيها "المسيح هنا اليوم يبارك الجميع في الإمارات العربية المتحدة".

من بين الحاضرين في ملعب مدينة زايد، نحو أربعة آلاف مسلم أتوا لمشاهدة البابا، بحسب مصادر كنسية محلية.

وذكر شخص في فريق المنظمين عبر مكبرات الصوت أن أعداد المصلين الحاضرين بلغ 50 ألفاً داخل الملعب و120 ألفاً خارجه، وهو أكبر تجمّع بشري في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة، بحسب ما نقلت وسائل إعلام إماراتية محلية. وكان المنظمون أعلنوا قبل القدّاس ان عدد التذاكر التي وزعت لحضور القداس بلغ 135 ألفا.

وأوضحت المصادر أن المصلين ينتمون إلى مئة دولة، ويقيم معظمهم في الإمارات التي يعيش فيها ملايين المغتربين (85 بالمئة من عدد السكان).

واختار البابا فرنسيس عمالاً مغتربين ليسلّم عليهم. ولطالما أظهر البابا الأرجنتيني خورخي ماريو بيرغوليو المتحدّر من أصول إيطالية لأبوين هاجرا إلى الأرجنتين، منذ انتخابه على رأس الكنيسة الكاثوليكية في 2013، تعاطفه مع المهاجرين.

وأحيا البابا فرنسيس في أبوظبي قدّاساً تاريخياً في ملعب كرة القدم في الهواء الطلق، الأول لحبر أعظم في شبه الجزيرة العربية، مهد الإسلام، بمشاركة عشرات آلاف المقيمين الأجانب.

وبدأ القدّاس بعيد وصول البابا في سيارة بيضاء مكشوفة إلى موقع الحدث في مدينة زايد الرياضية، حيث حيا المصلّين الذين رفعوا أعلام الفاتيكان، بينما كان حراس يرتدون بدلات سوداء يسيرون بجانب سيارته.

وتعالت صيحات آلاف الحاضرين، الآتين من دول أسيوية خصوصاً، هاتفين إسم البابا فرحا بوصول الحبر الأعظم لدى دخول سيارته إلى أرض الملعب، قبل أن تنسحب منه بعد جولة قصيرة ويصعد البابا إلى المذبح الأبيض الضخم أمام المدرجات المكتظة بالحشود الغفيرة، يتوسّطه صليب عملاق.

في بداية القداس، عزفت الجوقة الموسيقية ألحاناً مهيبة، فيما كان المؤمنون يهتفون بحرارة من على المدرجات. وقد حملوا جميعاً أعلام الفاتيكان الصفراء والبيضاء.

وخرقت فتاة صغيرة الحشود وتوجهت مباشرة إلى سيارة البابا فرنسيس. وسُمح لها بالإقتراب من البابا المعروف بالتواضع والمحبة حيث صافحها وقبّلها وباركها قبل أن تعود إلى مكانها ويُكمل جولته على المؤمنين.

ألقى الحبر الأعظم عظة بعد الانجيل المقدس، استهلها بالحديث عن انجيل متى الذي تمت قراءته في القداس، لافتاً إلى أن "الرسالة الأساسية منه الإصغاء إلى كلمة المسيح وعيشها لنيل الطوبى". وأشار إلى "حب الله للمؤمنين، إذ أنه يريد أن يقيم معهم شركة على الدوام ما يعطي الفرح الحقيقي للانسان، الفرح الذي يعطي السلام حتى في الألم".

وأوضح البابا فرنسيس أن "يسوع وجه الطوبى للودعاء والفقراء والمضطهدين بعكس ما كان سائداً في ذلك الوقت، وهو تغلب على روح العالم بقوة المحبة الالهية"، وقال: "لنطلب نعمة اكتشاف جمال يسوع والتشبه به وعدم البحث عن غيره".

وتناول موضوع "التنوع"، لافتاً إلى أن ذلك "يحبه الروح القدس" متوجهاً إلى المؤمنين بالقول إنها "شهادة تعطونها للجميع".

أضاف: "العيش كمن يستحق الطوبى لا يعني ان نكون مبتهجين على الدوام، وليس سهلاً بالنسبة لكم أن تعيشوا بعيدين عن البيت". واستذكر القديس انطونيوس الكبير "الذي عاش في صحراء مصر وغاص في جهاد روحي متواصل وكان يتعرض لتجربة الحنين والتحسر على الحياة الماضية، لكن الرب طمأنه الى وجوده بقربه".

وقال "ان عيش التطويبات لا يتطلب اعمالاً باهرة بل التشبه بيسوع في الحياة اليومية بالمحافظة على نقاوة القلب والعيش بوداعة وعيش الرحمة مع الجميع متحدين بالله، والحياة اليومية لا تحتاج إلى أعاجيب وأعمال خارقة بل إلى مواجهة تحدياتها".

وتوجه إلى المشاركين في القداس بالقول: "أتمنى أن تكونوا متجذرين بيسوع ومستعدين لفعل الخير لكل المحيطين بكم".

وتوقف البابا فرنسيس عند تطويبتين الأولى "طوبى للودعاء"، ذاكرا القديس فرنسيس "عندما أعطى تعليمات إلى أخوته المتوجهين إلى المسلمين وغير المسيحيين ناصحاً اياهم بالابتعاد عن الشجار والخلاف، والتسلح بالإيمان والمحبة"، والتطويبة الثانية "طوبى للساعين إلى السلام"، مشيراً إلى أن "المسيحية تعزز السلام بدءاً من الجماعة التي نعيش فيها".

وختم: "الكنيسة التي تثابر على كلمة يسوع وعلى الكلمة الاخوية هي كنيسة محبوبة من الرب وتعطي ثمراً، وليس فيها مسيحيين فئة أولى ومسيحيين فئة ثانية".