تسلّق وليام وردزورث جبل سنودون في شمال ويلز عندما كان في الحادية والعشرين. كان جهدًا أسطوريًا مذهلًا، أنجز معظمه ليلًا. رأى الشاعر الشاب ومضة تكشف السحب الجبارة، وسمع "هدير المياه والسيول، والجداول". كان المشي مسافات طويلة في أواخر القرن الثامن عشر كلعبة "إكس" اليوم، أي فرصة للشبان ليتحدّوا أجسادهم وأرواحهم.

نقص الطبيعة

ورث الأميركيون الحديثون أفكارًا رومانسية من الطبيعة. ونحن أيضًا نبحث عن مهابة مناظر المحيطات وعظمة قمم الجبال. وأمضيت جزءًا كبيرًا من عقدي الثاني والثالث أعيش في كولورادو ومونتانا، ألعب على المنحدرات الكبيرة وفي الأنهار الصافية في جبال روكي. كانت جرعتي اليومية من الطبيعة مركّبة من مسحوق الشمبانيا، والطيور الزرقاء الجبلية، والطرق غير المأهولة. لقد كنت مدللة. 

وجد زوجي وظيفة في واشنطن العاصمة، فنقلنا زوارقنا ودراجاتنا إلى طريق بيتنا الإسفلتية لجمع أوراق القمامة الوسخة. كان الوقت حان لفصلٍ جديد حضري، يشحذ مهارات القيادة لدينا في ساعة الذروة، والالتزام بالمواعيد النهائية للعمل وتنظيم الأنشطة العائلية.

استسلمت بسهولة وتوقفت عن السعي خلف الطبيعة، مفكّرة في أن هذه ليست جبال روكي. ما الهدف؟ كانت هذه غلطة. عانيت بسبب كبريائي، وشعرت بأنني مشوشة ومقهورة ومكتئبة. ووجد عقلي صعوبة في التركيز ولم أكن أنام جيدًا في أدغالي الحضرية الجديدة. كنت ربما، في الأقل جزئيًا، أعاني ما يسميه الصحافي ريتشارد لوف "اضطراب نقص الطبيعة". 

الطبيعة تلائم الحضارة

يشير انتقالي إلى المدينة إلى التحولات الديمغرافية والجغرافية على الصعيد العالمي. لكن، إذا لم نتمكن من العثور على بعض السلام والتجدد في هذه البيئات، فنحن في ورطة.

فالإنسان العاقل أصبح رسميًا جنسًا حضريًا في وقت ما في عام 2008. وفي تلك الفترة، أصدرت الأمم المتحدة تقريرًا يشير إلى أن عدد الناس الذين يعيشون في المناطق الحضرية في كل أنحاء العالم صار للمرة الأولى يفوق عدد أولئك الذين في المناطق الريفية.

ووفقًا للإحصاء السكني الأخير في الولايات المتحدة، أول مرة في مئة عام، نمى معظم المدن الأميركية بوتيرة أسرع من ضواحيها.

نحن في منتصف أكبر هجرة جماعية في العصر الحديث، في مقابل نقص في التخطيط والموارد والبنية التحتية لجعل تلك المساحات تلبي احتياجاتنا النفسية.

نحن نؤذي أنفسنا من خلال عدم إعطاء الأولوية للاتصال البشري العميق بالعالم الطبيعي. نسينا كيف أن المساحات الطبيعية - حتى الإصدارات المدنية منها – ربما تساعدنا في راحتنا النفسية، وغفلنا عن الدراسات التي تبين أيضا أنها تجعلنا أكثر صحة وإبداعًا وتعاطفًا وميلًا للانخراط مع العالم ومع بعضنا البعض. إذًا، فالطبيعة، على ما يبدو، جيدة للحضارة.

ثلاث بيئات مختلفة

ليس ضروريًا أن تكون المساحات الطبيعية بكرًا أو سامية أو حتى مهيبة بالنسبة إلينا لنلمس بعض الفوائد العاطفية والمعرفية. حتى وردزورث عرف ذلك، فعبّر بنفحة شعريّة يومية، وكتب حتى عن العناصر الدنيوية في المياه الراكدة، وأصوات العصافير، وضوء الشمس.

أيد الباحثون في فنلندا حدس الشاعر من طريق قياس رفاه الشعب في ثلاث بيئات مختلفة: الشوارع الحضرية، ومنتزهات المدينة المزدحمة، والغابات البريّة.

ووجد الفريق، بقيادة ليزا تيرفاينن من معهد بحوث الغابات الفنلندية، أن الناس بدأوا يشعرون باستعادة الراحة النفسية بعد 15 دقيقة لا غير من الجلوس في الخارج في المنتزهات والغابات.

وبعد نزهة قصيرة، ازدادت هذه المشاعر، خصوصًا في الغابات. ولم تكن الفوائد متعلّقة بالاسترخاء فحسب. فعند قياس نسبة الحيوية - التي قد تعتقد أنها ترتفع في المدينة – لوحظ أنّها لا تزداد إلا في الطبيعة، على الرغم من أن الأمر استغرق خمسة وأربعين دقيقة من الجلوس والتنزه. 

شعر المشاركون في الدراسة في الحديقة أو الغابة بتحسّن بنسبة 20 في المئة أكثر من أقرانهم في الشوارع الحضرية، كما أنّهم أحسّوا بقدرة إبداعية أكبر.

إشراك الحواس

كشفت الدراسات الحديثة، بقيادة غريغوري براتمن من جامعة ستانفورد، أن المشي خمسين دقيقة في حديقة المدينة حسّن أمزجة الناس وعزّز انتباههم والذكريات المتعلّقة بعملهم، في حين أسفرت 90 دقيقة من السير على الأقدام عن تغييرات في أدمغتهم بطريقة يمكن أن تحمي من الاكتئاب .

أما الدراسة الثانية، التي نشرت في عام 2015 في مجلة Proceedings of the National Academy of Science، فأظهرت أن التواجد في المنتزه (بعيدًا عن شوارع المدينة) يخفّض تدفق الدم إلى القشرة الجبهية الحزامية، وهي جزء من الدماغ مرتبط بأنماط التفكير السلبي .

بالنسبة إلى أولئك الباحثين وغيرهم، فالاستنتاج هو: الخروج بشكل منتظم، والعثور على بعض المساحات الخضراء أو الزرقاء التي تجعلك سعيدًا أينما كنت تعيش. 

بحسب خبراء مثل ديفيد ستراير، الطبيب النفساني في جامعة ولاية يوتا، لزيادة مشاعر التجدد النفسي إلى أقصى الحدود، ينبغي ترك هواتفنا المحمولة بعيدًا عنا والتركيز على أصوات الطبيعة ومناظرها. فالفكرة هي إشراك الحواس وقطع التوتر الحضري المستمر حتى لو لفترة وجيزة.

الدافع إلى التغيير

آخذة هذا البحث على محمل الجد، غيرت روتين حياتي اليومية. أصبحت الآن، إذا سنحت لي الفرصة، أبحث عن أكبر منتزهات في المدينة وأكثرها خضرةً، وأسعى إلى أن تتضمّن مسطحات مائية من الناحية المثالية. 

إن لم أتمكّن من فعل ذلك، أحاول التنزه في الشوارع التي يصطف على جوانبها أكبر عدد ممكن من الأشجار. فأُخرج سماعات الأذن وأبحث عن الأنماط الهندسية في الأغصان والجداول. أحيانًا، أمسك حفنة من إبر الصنوبر وأتنشّق رائحتها لأقوّي جهاز مناعتي. آخذ استراحات للجلوس في الخارج، وإذا لم أتمكّن من ذلك، أجلس إلى جانب النافذة. في بعض الأحيان إذا رصدت مخروط صنوبر، أجلبه وأضعه على مائدة الطعام.

صحيح أن الحي الذي أسكن فيه لا يشبه مناطق جبل سنودون، لكن ينبغي أن نحظى جميعًا بفرصة تجربة المناظر الطبيعية الوعرة والبرية والروحانية من وقت إلى آخر، لأنّ خيالنا وإحساسنا بأنفسنا في الكون بحاجة إلى هذه الأماكن. حتى ذلك الحين، سأكون ممتنة لإرث تركه كاتب رومانسي آخر، هو فريدريك لاو أولمستيد: منتزهات المدينة والأشجار الحضرية.