تأتي مسوّدة الخطة الحكومية لمكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي، وسط تفاقم العنف والجريمة واتساع دائرة السوق السوداء التي تغذّيها فوضى السلاح وغياب سلطة إنفاذ القانون، وتقاعس الشرطة الإسرائيلية عن القيام بمواجبها في لجم العنف والجريمة، ما ساهم في هيمنة عصابات الجريمة المنظّمة التي باتت تنشط في كل قرية ومدينة عربية دون أيّ رادع.

وفي ظلِّ المشهد الدمويّ والتناقضات الداخليّة في المجتمع العربي وتراجُع دور الأحزاب وغياب الأطر الشبابية وانعدام الأطر الثقافية والاجتماعية التطوعية، وقلة عمل ونشاط جمعيات المجتمع المدنيّ؛ تغيب المقترحات والخطط البديلة العربية لمكافحة العنف والجريمة، بحيث اكتفت الحكومة الإسرائيلية بالعقدين الأخيرين بتقديم خطط خماسية لمكافحة العنف والجريمة، وتقليص الفجوات، وتدعيم الخدمات الاجتماعية، والاقتصادية والتجارية، والتعليمية.

وتأتي الخطط والمقترحات الحكومية دون أن تتحمل الحكومة وأذرعها المختلفة المسؤولية عن سفك الدماء بالمجتمع العربي، بل إنها تحمّل الضحية مسؤولية اتساع ظاهرتَي العنف والجريمة، لتبقى هذه الخطط الحكومية مجرد حبر على ورق، أو مسودة لاستنساخ خطط مستقبلية كلما بات المشهد أكثر دمويّة.

وشهدت السنوات الأخيرة ازديادا في أعداد ضحايا العنف والجريمة في المجتمع العربي، وخلال العام الجاري أظهرت المعطيات الرسمية أن جرائم القتل في البلدات العربية تشكّل 66% من مجمل جرائم القتل في إسرائيل، وهو ما يعادل نحو أربعة أضعاف نسبة العربي بين السكان، كما أن أكثر من 90% من جرائم إطلاق النار التي ارتُكبت في الأحياء السكنية، تمّ ارتكابها في المجتمع العربيّ.

ومنذ مطلع العام 2020 حتى الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، قُتل 80 شخصا بينهم 14 امرأة في جرائم قتل مختلفة بالمجتمع العربي، وكان آخر الضحايا؛ ثلاثة شبان عرب من البعنة وجديدة المكر وساجور، قُتلوا رميًا بالرصاص قرب تل القاضي متنزه "تال دان" في منطقة الجليل الأعلى.

جريمة دون عقاب

وتبقى الجريمة في المجتمع العربي بلا عقاب، ما يحفّز على ارتكاب الجرائم، إذ تتقاعس الشرطة عن فكِّ رموز جرائم القتل، إذ أظهرت بيانات العنف والجريمة عن العام 2020، أن الشرطة فكّت 20% من رموز جرائم القتل التي سجلت خلال العام الجاري، مقابل 53% من الجرائم التي سُجّلت في المجتمع اليهوديّ.

ومع انتشار السلاح وإطلاق النار وغياب سلطة إنفاذ القانون وتواطؤ الشرطة، تتساءل الفعاليات السياسية والأطر المجتمعية وجمعيات المجتمع المدني عن مصدر السلاح، وسهولة ترويجه بين السكان، وعن غياب قوّة الردع ودور الشرطة في مكافحة الظاهرة.

وتُجمِع الفعاليات والأطر العربية أنه عدا المسؤولية المجتمعيّة التي تقع على عاتق الجماهير والأحزاب والفعاليات والأطر العربية، فإنّ المسؤولية الأساس، تقع على الحكومة الإسرائيلية بمختلف مؤسساتها ووزاراتها وأذرعها ونهجها والسياسات العنصرية التمييزية التي تنتهجها ضد المواطنين العرب.

حلول مفروضة

وتناول مركّز مشروع بحث "العنف لدى الشباب العرب" في جمعية "بلدنا"، وئام بلعوم، محاور الخطة الحكومية لمكافحة العنف والجريمة بالمجتمع العربي، منتقدا تغييب وعدم إشراك المجتمع العربي بالخطة والاكتفاء ببعض المشاورات لمسؤولين عرب ورؤساء سلطات محلية من قِبل الطاقم الوزاري الحكومي.

وأوضح بلعوم لموقع "عرب 48"، أنه كان "الأجدر بالطاقم الحكومي إشراك طواقم عربية مهنية ومختصة لتكون البوصلة في وضع أسس الخطة من خلال فهم واقع واحتياجات وخصوصية المجتمع العربي، وفهم الظاهرة لعمقها ووضع الحلول لتنطلق من الأسفل إلى الأعلى، لا أن تكون حلول مفروضة ولا تمتّ لخصوصية المجتمع العربيّ بصلة، وتبقى مجرّد إطفاء حرائق(حلول مؤقتة غير مجدية)".

ويرى بلعوم أن المشاورات التي أجراها الطاقم الوزاري الحكومي مع مجموعات ناشطة بالمجتمع العربي بمثابة ذرّ الرماد بالعيون، وشكّك في جدوى هذه المشاورات، مبّينا أن هذا النهج غير مجدٍ لفهم واقع ما يحصل في المجتمع العربي من عنف وجريمة.

إحداث تغييرات

وعن تعامل المجتمع العربي بمختلف أحزابه وقياداته وفعاليات وجمعياته مع الخطة الحكومية المقترحة، قال بلعوم: "قبل الرفض أو القبول، كل خطة بحاجة إلى دراسة معمقة وإبداء ملاحظات وتحفظات وأيضا إدخال مقترحات وتعديلات وبنود تتوافق مع المجتمع العربي، والعمل بتنسيق وتعاون من أجل إحداث التغييرات وقبول مواقف ومطالب المجتمع العربي".

وأمّا بخصوص مسودة الخطة الحكومية المقترحة، لفت بلعوم إلى وجود محاذير سياسيّة يستحيل أن يتم التعامل معها وقبولها من قبل المجتمع العربي، وتتمحور هذه المحاذير في كل ما يتعلق باندماج الشبان العرب بالمجتمع الإسرائيلي ومخططات الأسرلة من خلال التجنيد لسلك الشرطة ومشاريع الخدمة المدنية، ولعلّ الأخطر هدم منازل وعقارات كل من يُدان ويتنشط في عصابات الجريمة المنظّمة، وهذا ما يعني شرعَنَة مخططات الهدم بالمجتمع العربي.

لا تتوقف المحاذير عند هذا الحد، بل تُشير إلى أن أذرع السلطة والوزارات الحكومية تُمعن "بالتضييق على المواطنين العرب وسلبهم الحريات وانتهاك الخصوصية تحت ذريعة مكافحة العنف والجريمة، إذ أن موضوع الكاميرات والدائرة المغلقة، تضع المواطن العربي في دائرة المراقبة على مدار الساعة، بالإضافة إلى تشغيل أدوات رقابة ليست بطرق صحيحة وقانونية، ما يعني انتهاكًا للخصوصية وسلب الحريات وبثّ حالة من الخوف والإرباك، من شأنها أن تمنع المواطن العربي حتى من التعبير والتظاهُر من أجل أبسط حقوقه وقضاياه الحارقة"، بحسب بلعوم.

تنصُّل الحكومة

ولا يستبعد بلعوم أن توظف المؤسسة الإسرائيلية كاميرات المراقبة لأهداف سياسية بوضع المجتمع العربي تحت الرقابة، وبخاصة في حالات التوترات السياسية والاحتجاجات والتظاهرات، وتقييد الحريات في الحّيز العام، مشيرا إلى أن كاميرات المراقبة ووفقا لأبحاث بريطانية وأميركية لم تقوّض العنف والجريمة بل إن استعمالها نقل العنف والجريمة لمواقع أخرى.

وذكر بلعوم أن من بين المحاذير الأساسيّة؛ استنساخ خطط حكومية سابقة خاصة بكل ما يتعلق بالتنجيد للشرطة، وفتح مراكز للشرطة في البلدات العربية، علما أن الجرائم استفحلت وتضاعفت معدّلات العنف في البلدات التي افتُتِحت فيها مراكز للشرطة ونُفذت فيها مشاريع الخدمة المدنية، فيما تتمثّل المشكلة الأساسية في الخطة؛ بتنصُّل الحكومة من أي مسؤولية عن العنف والجريمة واتساع الجريمة المنظّمة بالمجتمع العربي وتحميل الضحية المسؤولية عن هذه الآفات.

وأكد أن القضاء على الجريمة المنظّمة في المجتمع العربي بحاجة إلى قرار حكوميّ سياسيّ أسوة بالخطة التي نُفذت في عام 2005 بعهد رئيس الحكومة الأسبق، أريئيل شارون، بالقضاء على الجريمة المنظمة في البلدات اليهودية، علما أن الشرطة لم تأخذ الأمور بجدية للقضاء على الإجرام المنظم عند العرب.

استنتاجات خاطئة

وأوضح بلعوم أن الشرطة لا تقوم بواجبها "وتتقاعس في مكافحة فوضى السلاح بل وكثيرا من الأحيان تتواطئ مع منظمات الجريمة المنظمة (...) وعليه لا يمكن منح جائزة لهذا الجهاز بالانخراط والخدمة بصفوفه، علما أن الخطة تشكّك حتى بنجاح الانخراط بسلك الشرطة أو جدوى فتح مراكز للشرطة بالبلدات العربية للقضاء على العنف".

وأشار إلى أن الخطة الحكومية المقترحة تخفق أيضا بالتعامل حتى مع القضايا الاجتماعية، والتعليمية، والاقتصادية، بالمجتمع العربي، وتعتمد على استنتاجات خاطئة نحو تمرير مشاريع الأسرلة تحت ذريعة رفع نسب العمل لدى الشبان العرب وتحفيزهم على الاندماج بالمجتمع اليهودي، وينظر إلى العنف كعائق أمام هذه الاندماج، بحيث تنظر الخطة للعرب على أنهم قوة عمل وأيدٍ عاملة وليس على أنهم يمثّلون اقتصادا له خصوصيّاته، ويجب تطويره والعمل على مشاريع لنمّوه وازدهاره في كلّ قرية ومدينة عربية.

وأوضح أن القضية لا تقتصر على محاربة العنف من خلال دورية شرطية، بل إنها بحاجة إلى قرار سياسي وتوظيف كل الوسائل والآليات وتشكيل وحدة شرطية خاصة للقضاء على الجريمة، علما أن الخطة المقترحة لم تفصل بين محاربة الجريمة المنظمة ومحاربة العنف، كما أنها لم تعالج أسباب العنف والجريمة المرتبطة بالأوضاع الاجتماعية، والاقتصادية، والبطالة، والفقر، والتعليم، والاكتظاظ السكاني، والأرض والمسكن، وهي الأسباب والمسببات التي تغذّي عودة العنف وترسّخ الإجرام.

مستند حكوميّ

بدوره، ذكر مدير مركز "أمان" لمكافحة الجريمة في المجتمع العربي، المحامي رضا جابر، أنه يرى أن الخطة الحكومية الجديدة وخلافا لخطط سابقة، هي بمثابة مستند حكومي يضع الموضوع بمختلف قضاياه في سياق موحّد، يمكن أن يُفهم منه كيف تنظر الحكومة الإسرائيلية ومختلف مؤسساتها للجماهير العربية وإلى أين تريد أن تأخذ موضوع العنف والجريمة.

وشدّد جابر في حديثه لـ"عرب 48"على ضرورة أن تجرى مناقشة عربية معمّقة مع التحفُّظ على بعض البنود، وتقديم المقترحات والبدائل، لافتا إلى أن ما قُدِّم من مستجدات من خلال الخطة، لا تُعدّ جوهرية ولا يمكنها أن تشكّل ثورة على العنف والجريمة.

ولفت إلى أن كل ما يتعلق بدور الشرطة يأتي استمرارا للعمل بخطة "إردان"، ويركز على انخراط الشبان العرب وفتح مراكز للشرطة بالبلدات العربية، وينظر للعنف والجريمة من منظور اندماج الشاب بالمجتمع الإسرائيلي وليس حلّ المشكلة والقضاء على الآفة.

"إنتاج الشرطة"

وذكر جابر أن الخطة تقترح إعادة ترتيب وإنتاج الشرطة من جديد، دون إحداث تغيير جوهري في عقلية وفكر الشرطة بالتعامل مع المواطنين العرب وأخذ المسؤولية، وبالتالي فإن نتاج الخطة المقترحة في كل ما يتعلق بالشرطة؛ مبنيٌّ على أساس إشكاليّ وبسطحيّة دون البحث المعمّق، إذ إن المشكلة الأساسية لا تتعلّق فقط بإمكانيات جهاز الشرطة، بل إنها تتعلّق مع نهج الشرطة وممارساتها وعقليّتها وفقدان الثقة بها، بالنسبة لللجماهير العربية.

وردًّا على سؤال بشأن كيفية تعامل القيادات والأحزاب والفعاليات العربية مع الخطة الحكومية لمكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي، قال مدير مركز "أمان" لمكافحة الجريمة في المجتمع العربي"، إنه "يجب دراسة الخطة بعمق والتحفظ على البنود الإشكاليّة، وتقديم تصوُّر ورؤية عربيّة وبدائل".

وأضاف جابر: "نتحدث عن خطة حكومية، صيغت بعقلية الطواقم الوزارية، بحيث تكمن أهمية الخطة بأنها فرصة لنا كجماهير عربية لنعرف كيف تفكر الدولة ومختلفة مؤسّساتها بشأن واقع ومستقبل الجماهير العربية، والنظر إلينا بمختلف المجالات والقضايا وليس فقط بملف العنف والجريمة".

التمثيل السياسيّ

وقال جابر إنّه "لعلّ أخطر ما في الخطة، نظرة المؤسسة والحكومة الإسرائيلية لما يواجه المجتمع العربي من تحديّات في ظلّ العنف والجريمة، إذ أنها لا تأخذ على عاتقها أيّة مسؤولية عما يجري وكأنها أتت إلى المجتمع العربي من الفضاء الخارجي بُغية أن تساعده في حل مشاكله الداخلية، وهو الطرح الذي يبعد كل المسؤولية للحكومات المتعاقبة وسياستها ويضع كل المسؤولية على العرب، كما أن الخطة تستبعد البعد التمثيليّ السياسيّ والحزبيّ العربيّ، (بالإضافة إلى) استبعاد القيادات السياسية مع الاكتفاء بالتواصل والتعامل مع رؤساء السلطات المحلية".

وخلُص جابر للقول إنّ "كل خطة حكومية تترجم ما تريده الحكومة والأغلبية، والذي يتناقض دائما مع ما نريده نحن كأقلية عربية، في خطة مكافحة العنف والجريمة. لا أقترح الرفض التامّ أو القبول التامّ، علينا كمجتمع بحثها والردّ عليها بصورة مهنيّة بما يتماشى مع مطالبنا ومصالحنا وخصوصيتنا، علما أن هناك مساحات ومحاور مشتركة يمكننا كمجتمع عربيّ استغلالها ضمن السياقات الجزئية بمعزل عن السياق العام، مع ضرورة أن نقدّم بدائل ومقترحات وإعادة ترتيبها من خلال خطة بديلة تردّ على الخطة الحكوميّة المقترحة".

خطّة صوريّة

من جانبه، ذكر النائب السابق عن القائمة المشتركة، مسعود غنايم، الذي تابع خطة "إردان" في عام 2016، أن هذه الخطط صوريّة ولا توفر الحلول الجذريّة تحديدا في ملف العنف والجريمة، موضحًا أن دور الشرطة ومسؤوليتها، هو محاربة الجريمة وفوضى السلاح ومتابعة تطبيق القانون، وهذا ما لا تفعله الشرطة في البلدات العربية، بل يبقى عملها مجرّد "إسقاط للواجب"، وبالتالي هي التي تتحمل المسؤولية عن سفك الدماء واستفحال الجريمة.

وقال غنايم في حديثه لـ"عرب 48"، منتقدا خطّة إردان والخطة الحكومية المقترحة التي تعتمد على فتح مراكز للشرطة وتشجيع الشبان العرب للانخراط بسلك الشرطة والاندماج بالمجتمع الإسرائيلي: "خطة ’إردان’ من العام 2016 سبق ذلك الكثير من الخطط التي دفعت نحو التنجيد والخدمة المدينة وفتح مراكز أمنية ومحطات شرطة، لكن بعد 4 سنوات على خطة أردان، ماذا كانت النتائج؟ استفحال العنف والجريمة، والانتقال من جريمة فردية إلى جريمة جماعية وتقوية عصابات الجريمة المنظمة بدلا من القضاء عليها".

وأوضح غنايم أنه يرى "أن أي خطة حكومية تفتقر إلى موارد وميزانيات لمختلف القضايا والملفات وإلى موارد حقيقة تشير إلى تغيير في سياسة الحكومة تجاه الجريمة المنظمة؛ ستكون بمثابة ’ضحك على الذقون’ ومضيعة للوقت"، مؤكدا أن المجتمع العربي لا يستطيع التعامل مع عصابات الجريمة المنظمة ومواجهتها.

رهينة للجريمة

وتشير البيانات الحكومية إلى أن أقوى وأخطر 4 عصابات جريمة منظّمة في البلاد، هي عربية، ولديها موارد، وجنود، وأسلحة ومقدرات مالية، ولديها مكانة اقتصادية، وعلى ضوء ذلك، يقول غنايم، إن "المجتمع العربي بات أسيرا لعصابات الجريمة المنظمة ورهينة لنهجها وممارساتها، بحيث باتت البلدات العربية كالجسم الضعيف أمام حصن عصابات الجريمة، وبالتالي لا بدّ من تعافي المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وإخراجه من دائرة الفقر والبطالة كجزء من محاربة العنف والجريمة".

وأوضح غنايم أن الجهة التي يجب أن تواجه جيوش الجريمة المنظمة هي الحكومة بقرارات سياسية، والشرطة بنهج عمليّ للقضاء على الجريمة المنظمة وتداعياتها على المجتمع في مختلف مناحي الحياة، لافتا إلى أن الشرطة تقف عاجزة أمام الجريمة المنظمة بالمجتمع العربي، بدلا من توجيه ضربة لها من خلال تجفيف مواردها المالية، وتجفيف منابع توريد السلاح ومنابع قدراتها الاقتصادية وإمكانياتها المالية كما تم العمل في البلدات اليهودية في عامَي 2005 و2006.