لعل كل عربي وكل عربية من جيل معين يعرفون تماما أين كان لحظتها: لحظة سماعه، أو سماعها، أن الموت اختطف الزعيم العربي جمال عبد الناصر، يوم الإثنين 28 أيلول 1970.

في الذكرى الخمسين لرحيله، يظل الزعيم العربي الاستثنائي جمال عبد الناصر عصيّا على الموت والغياب.. حاضرا رغم الغياب بشخصيته، الفذة الفريدة. عاش بمقاييس الزمن حياة قصيرة، فقد رحل عن عمر 52 عاماً و8 أشهر، ظهر فيها على مسرح التاريخ لمدة 18 عاماً، مثلت فصلاً استثنائياً في التاريخ العربي كله.. "الزعيم الاستثنائي" أعطى أمته يقيناً متجدداً بأنها موجودة، وأعطى لهذا اليقين المتجدد، حركته التاريخية، وأنجز بهذه الحركة مهامَّ كبيرةً على أرضها، وحول أرضها، وفي العالم، ولعل الأهم أنه أعطى المواطن المصري والفلسطيني والعربي والإفريقي شعوراً بالقيمة الفردية والوطنية.

عندما كان موجوداً، أقنع عبد الناصر عشرات الملايين من العرب أن أولويات الأمة واضحة، وأهداف الأمة واضحة، وأساليب تحقيقها واضحة: أعداء القومية العربية هم إسرائيل والاستعمار والرجعية العربية (الذين لم يتغيروا حتى يومنا هذا). ومنذ رحيله والعرب تائهون في ضياع كبير، يبحثون عن قائد زعيم، الذي بقي مكانه شاغراً بعد رحيل عبد الناصر.

يحضرني ما قاله الصحافي والكاتب الأميركي الشهير توماس فريدمان: "مع بداية السبعينيات من القرن الماضي، فقد العالم العربي "الربان" الذي كان يأمر.. فيطاع، ويقول .. فيستمع إليه جميع القادة العرب، ويقرر.. فينفذون، كانت لديه القدرة و"الملكة" على التأثير النافذ في الشعوب العربية قاطبة".

قد يكون فريدمان قال ما قاله في إطار قول "حق يراد به باطل"، حيث إن الغرب وإسرائيل تنفسوا الصعداء، وطبلوا وزمروا وتشفوا بموت عبد الناصر. ولكن الأعمق بما قاله فريدمان ، يكمن في ما قاله الأديب الفرنسي جورج أندريه مالرو (1901-1976)، "إن عبد الناصر كان تجسيداً لأُمته في مرحلة تحوُّلٍ مهم، وكان وسوف يبقى لسنوات، لا نستطيع من الآن أن نرى مداها، تجسيداً في الحياة لمصر والأمة العربية". أو ما قاله الإعلامي الأميركي الأشهر آنذاك والتر كرونكايت على شبكة سي.بي.إس نيوز :"اليوم ، أكثر من 100 مليون عربي يجدون أنفسهم أيتاماً".

ولعل المعنى في تحاليل الغرب بمثقفيه وكتابه وإعلامييه هو في الإقرار بأنه حين تجسد موعد التاريخ العربي في صورة شاب في مطلع الثلاثينيات من عمره، يقود ثورة الضباط الأحرار، ويصبح رئيساً لمصر، بدأت رياح التغيير تهب على العالم العربي، (وأفريقيا والعالم الثالث أيضاً)، مربكاً لمخططات الغرب الكولونيالية، فلم يعد هذا العالم منطقة يمكن أن تُتخذ بشأنها القرارات في خارجها، كما كان (وكما أصبح بعد رحيله)، ولو حدث كان عبد الناصر يحبط كل محاولة في مهدها، ويقلب الطاولة على المشاركين ومن بينهم أطراف عربية، كانت ولا تزال تأتمر غربياً.

حقبة عبد الناصر تاريخية، ولعلها أخصب حقب التاريخ العربي الحديث، حين كان دور مصر حاضراً وفاعلاً ونافذاً.

يظل عبد الناصر حاضراً، ونحن نستعيد حقيقة أن في عهده لم تعرف مصر أو الأمة العربية تنظيمات ولا جماعات إرهابية تتاجر بالدين كما في سيناء (وعبر الوطن العربي)، ولا التناحر الطائفي بين أبناء مصر (وعبر الوطن العربي أيضاً) ، لأنه عاش بين البسطاء، وتواصل معهم، فأدرك أن ما ينقصهم هي الحياة ذاتها، فلم يهتم إلا بأن يعيدها إليهم، لذلك عرفت مصر للمرة الأولى في تاريخها، حق أبنائها في التعليم المجان وعلى مستوى عال من التقدم الذي أنجب المئات من علماء العالم البارزين؛ عشرات الآلاف، بل مئات الآلاف من الطلاب العرب والأفارقة الذين تعلموا مجانا في جامعات مصر.

وإذا كانت الحركة التاريخية التي قادها جمال عبد الناصر قد أثرت في منطقة تجاوزت حدود الدوائر الثلاث العربية والأفريقية والإسلامية، فإن دوره بالأساس كان يعتمد على الوعي الاستراتيجي بضرورة إحكام دور مصر، وبمصلحة مصر الإستراتيجية .. ولذلك لا يزال عبد الناصر متفرداً بزعامته في وجدان الأمة، يحوم حول هذا الوجدان كل يوم في تراب الوطن العربي وفضائه.

نعم، لا شك أن حنيننا إلى عبد الناصر جياش يصل حد البكاء على الأطلال (في الثقافة العربية) لما وفره لنا من كرامة وقيمة ذاتية كمواطنين كنا نتعطش لها بعد فقدناها لقرون طويلة، ونتعطش لها اليوم لفقدانها مرة أخرى منذ رحيله. لكن الحنين وحده يجحف بحق عبد الناصر كون أن "الحالة" الناصرية كانت نموذجاً ناجحاً يحتذي به العالم العربي والعالم الثالث وحركات التحرر حول العالم.

ولعل المراجعة السريعة تبين أنه عندما رحل عبد الناصر كان اقتصاد مصر أقوى من اقتصاد كوريا الجنوبية (على سبيل المثال)، ولدى مصر فائض من العملة الصعبة تجاوز المائتين والخمسين مليون دولار بشهادة البنك الدولي، والجنيه المصري ثابت وقد زادت مساحة الأرض الزراعية بنسبة 20%، ولأول مرة منذ 5000 عام تسبق الزيادة في رقعة الأرض الزراعية بمصر الزيادة في عدد السكان.. وزاد عدد الشباب في المدارس والجامعات والمعاهد العليا بأكثر من 300 %.. وزادت مساحة الأراضي المملوكة لفئة صغار الفلاحين من 2.1 مليون فدان إلى نحو 4 مليون فدان، وكل ذلك تم بدون تتكبد مصر ديونا .

رحل عبد الناصر بعد أن تحقق له حلم إنشاء أكبر قاعدة صناعية في العالم الثالث، حيث بلغ عدد المصانع التي شيدت في عهده 1500 مصنع، منها صناعات ثقيلة وتحويلية وإستراتيجية، تأسست عليها أول قاعدة صناعية في المنطقة، وتحولت مصر إلى وطن يخطو خطوات واثقة نحو التحول إلى دولة صناعية، جنباً إلى جنب إلي الدول التي أصبحت "نمور اقتصادية" مثل كوريا الجنوبية وغيرها من دول تقدمت، فيما تخلفت مصر والعالم العربي بعد رحيله. ولم تكن العملة المصرية مرتبطة بالدولار الأميركي، بل كان الجنيه المصري يساوى ثلاثة دولارات، ويساوى أربعة عشر ريالاً سعودياً.. ورحل الزعيم الاستثنائي، ولم تكن هناك بطالة في مصر، ولم تكن هناك أزمة تعيينات أو وسائط أو رشاوى.. وربما كان الأهم والأكثر أهمية أنّ العدالة الاجتماعية تحققت لأول مرة على أرض مصر، في تاريخها الحديث.

رحل عبد الناصر مخلفاً وراءه اقتصاداً مصرياً ينمو، على الرغم من هزيمة الجيش في 1967، استطاع (هذا الاقتصاد) أن يتحمل تكاليف إتمام بناء مشروع السد العالي الذي اختارته الأمم المتحدة عام 2000 كأعظم مشروع هندسي وتنموي في القرن العشرين، والذي يعادل في بناؤه 17 هرم من طراز هرم خوفو الكبير.. ورغم آثار الهزيمة العسكرية، فإن الإرادة المصرية بقيادة عبد الناصر لم تهزم، وتم بناء مجمع مصانع الألمونيوم في نجع حمادي، وهو مشروع عملاق بلغت تكلفته ما يقرب من 3 مليارات جنيه .. واستطاعت مصر في ظل نكسة 67 أن تحافظ على نسبة النمو الاقتصادي كما كان قبل النكسة، بل أن هذه النسبة زادت في عامي 1969 و1970، وبلغت 6.7 % وفقاً لتقرير وزارة المالية المصرية والبنك الدولي .. واستطاع الاقتصاد المصري عام 1969 أن يحقق زيادة في فائض الميزان التجاري ــ لأول وآخر مرة في تاريخ مصر ــ بفائض قدره 46.9 مليون جنية بأسعار ذلك الزمان .. وتم وضع حدود دنيا وعليا للرواتب والمرتبات، مراعاة للمساواة والعدالة الاجتماعية بين أفراد الشعب، فلا أحد يعيش برفاهية وبذخ، ولا أحد يعيش دون مستوى الكفاف.

رحل عبد الناصر بعد أن أعاد بناء القوات المسلحة المصرية وأكمل إعدادها من أجل معركة التحرير، محفزا باللاءات الشهيرة : لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل، وهو ما رأيناه يترجم في حرب تشرين الأول 1973، وإن كانت القيادة المصرية المترددة عندئذ قد حرمت جيش مصر وجيش سوريا من تحقيق النصر الذي يستحقانه، وسارت على طريق الاستسلام الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.

هذه بعض ملامح زمن عبد الناصر الذي كانت القومية العربية وتحرير فلسطين هاجسه الكبير ، فقد كان "مريضاً بحمى القومية العربية" بحسب وصف صحيفة الغارديان البريطانية.

في 28 أيلول 1970، رحل عن دنيانا في مرحلةٍ فارقةٍ من تاريخ مصر وتاريخ الأُمة العربية الحديث، وتاريخ القضية الفلسطينية، تاركاً إرثاً عظيماً من الوطنية وتحدى قوى الاستعمار.