ربح كثيرون حريتهم بسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، لكن أميركا خسرت كثيرًا برحيل عدوها المفضل. فتراجع التهديدات الخارجية أدى إلى تزايد الانقسامات الداخلية في المجتمع السياسي الأميركي.

استغرق الأمر أكثر من نفاذ الملايين من خلال جدار برلين للتأثير في جورج بوش، الرئيس الأميركي الحادي والأربعين، الذي اعترف: "لست شخصًا عاطفيًا"؟ لكن إذا نظرنا قليلًا إلى الوراء في الزمن، لوجدنا أن ثمة سببًا آخر حدّ من حماسة الأميركيين: سقوط الجدار حرمهم مكتسباتهم كلها، بحسب مقالة نشرتها "فايننشال تايمز".

تنامت الأحقاد

قيل الكثير عن التداعيات الوخيمة لما حصل في 9 نوفمبر 1989 على النظام العالمي، لكن ما لم يناقش بشكل كاف هو ما خسرته الولايات المتحدة نفسها في ذلك اليوم: فقدت أميركا عدوًا موحدًا، وتوفر للأميركيين الوقت والفرصة للتشاجر بعدما زال العدو الخارجي.

فما دامت البلاد مهددة بعدو خارجي، حصل حد طبيعي للنزاعات الداخلية. ولم يبدأ التحزب في السياسة الأميركية بسقوط الشيوعية، لكنه بلغ ذروته عندما سقط الجدار، وانهار الاتحاد السوفياتي.

في عام 1990، دعا نيوت غينغريش، عضو الكونغرس الأميركي عن ولاية جورجيا، زملاءه الجمهوريين إلى استعمال لغة سياسية أكثر خشونة. وفي عام 1994، صار غينغريش رئيسًا لمجلس النواب.

وشهدت الولايات المتحدة عدة محاولات لعزل الرئيس خلال العشريتين الماضيتين أكثر مما شهدته خلال القرنين السابقين.

وبحسب المقالة: "التاريخ لا يسمح بتجارب التحكم. لا يمكننا أن نعرف حالة السياسة الأميركية في عالم ما زال فيه الجدار قائمًا وما زالت إمبراطورية شيوعية قابعة وراءه. وما من شك في أن سقوط هذا الجدار أدى إلى تنامي الأحقاد السياسية في الولايات المتحدة منذ تسعينيات القرن الماضي".

آخر شرعي

تنقل المقالة عن الكاتب الأميركي بيتر بينارت وصفه بوش بأنه آخر رئيس "شرعي" للولايات المتحدة. رفض الناخبون انتخابه لولاية ثانية، لكن أي إهانة لم توجه إليه في خلال ولايته. ثلاثة من خلفائه واجهوا اتهامات من خصومهم السياسيين بالتهرب من أداء الواجب العسكري، وواحد اتهم بأنه مولود خارج الولايات المتحدة، وواحد اتهم بأن القضاة جعلوه رئيسًا، لا الناخبين.

ترد مقالة "فايننشال تايمز" ذلك إلى تغير ممكن في قماشة الرؤساء الذين دخلوا البيت الأبيض منذ عام 1992، لكن، "لا بد من أن غياب التهديد الخارجي هو ما جعل الأميركيين يتبادلون سهام الخصومة السياسية الحادة، والدليل أن أي رئيس أميركي منذ عام 1988 لم يتمكن من الفوز بنحو 400 مجمع انتخابي، وأي مرشح ديمقراطي لم يتمكن من الفوز بالأغلبية الناخبة في الجنوب، وأي مرشح جمهوري لم يتمكن من اكتساح المناطق الساحلية، كما لم تنتخب الولايات المتحدة رئيسًا تمتع بإجماع وطني منذ الحرب الباردة".

عدو مفضل

ترى مقالة "فايننشال تايمز" أن من سخرية القدر أن تتحول أحادية القطب الدولية عقابًا للولايات المتحدة بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي. فبعد عقود من تمني أميركا زوال المكروه، أي الخطر الشيوعي، حصلت على أكثر مما تمنت. لكن، كلما اعتقدت الولايات المتحدة أنها صارت أكثر أمنًا، زاد القلق على أمنها الداخلي.

خطأ أن نفترض أن الصين ستغير هذا الواقع. وعلى من أعتقد أن الخوف من بكين سيحل محل الخوف من موسكو، ليتذكر كم توقع كثيرون أن يؤدي الإسلام الراديكالي هذا الدور. فالصين رأسمالية نوعًا ما؛ لا تهدد أمة يألفها الأميركيون كما تفعل ألمانيا، ولا تعتقد أن طريقة حياتها قابلة للتصدير نظريًا، كي تعتمدها الشعوب الأخرى. إلى ذلك، الصينيون غير متدينين، وجزء كبير من الأميركيين غير متدين أيضًا.

كانت الإمبراطورية السوفياتية عدو أميركا المفضل، إذ كان يمنحها الشعور بنفسها. وعندما سقط الجدار، سقط معه الشعور بالأمة الأميركية، وسيستمر الانقسام الحزبي حتى يُصنع العدو التالي.