تركت الحضارات السابقة بصماتها في جميع أنحاء إفريقيا، من الفن الصخري في الطرف الجنوبي لإفريقيا إلى الأهرامات على طول نهر النيل.

وحذرت دراسة جديدة من أن أحوال المناخ المتطرفة، وارتفاع مستوى سطح البحر، وغيرها من التحديات المرتبطة بالاحتباس الحراري عالميا، تهدد بتدمير المعالم الثقافية التي لا تقدر بثمن، والتي تعد تراثًا عالميًا.

ويقول باحثون من بريطانيا وكينيا والولايات المتحدة في دورية أزانيا العلمية: "إن لم يكن هناك تدخل كبير، فستضيع بعض أهم معالم تراث إفريقيا نتيجة للتأثيرات المباشرة وغير المباشرة لتغير المناخ على مدى العقود المقبلة".

ويأتي هذا التحذير في الوقت الذي يحاول فيه علماء الآثار في السودان منع وصول مياه نهر النيل إلى موقع التراث العالمي الذي حددته الأمم المتحدة في البجراوية.

وكان الموقع في يوم من الأيام مدينة ملكية تابعة للإمبراطورية المرَّوية، التي تعود إلى نحو ألفي عام مضت، ويضم مئات المواقع الأثرية.

وعلى الرغم من حدوث فيضانات النيل سنويًا، فإن السكان يقولون إنها كانت أكثر حدة هذا العام، مما أدى إلى مقتل نحو 100 شخص، وتشريد 500 ألف شخص آخر.

وألقى بعض العلماء باللوم على تغير المناخ وعمليات التحضر الشرسة على طول ضفاف النهر.

مدينة البجراوية في السودان ترجع إلى 2300 عام مضت. وتحتوي القارة الإفريقية على 145 موقعًا تراثيًا مدرجًا في قائمة اليونسكو، إن أضفنا المواقع الموجودة على الجزر التي تعد جزءًا من الدول الأوروبية.

وتقول جوان كلارك، البروفيسورة في جامعة إيست أنغليا البريطانية، ومن الباحثين الرئيسيين في الدراسة الجديدة، إن هذا أقل بكثير مما تستحقه إفريقيا، لأن البلدان الفقيرة أو المنكوبة بالصراعات لا يمكنها تحمل تكاليف إدراج المواقع.

وفيما يلي كيفية تأثير تغير المناخ في بعض المواقع الأكثر شهرة.

صبراتة في ليبيا
تهدد مواقع التراث العالمي الخمسة في ليبيا بالانقراض، بسبب الأضرار التي سببها الصراع في البلاد.

ومن بين تلك المواقع مدينة صبراتة الفينيقية القديمة، التي أدت دورًا رئيسيًا في التجارة بين إفريقيا الداخلية والبحر الأبيض المتوسط.

كانت صبراتة جزءًا من مملكة ماسينيسا النوميدية التي لم تدم طويلًا، قبل أن تضمها الإمبراطورية الرومانية وتعيد بناءها في القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد.

وتشير الأدلة اليوم إلى أن صبراتة تضررت بالفعل بشكل خطير بتآكل السواحل وارتفاع مستوى سطح البحر وانحسار اليابسة وزيادة العواصف.

سواكن على ساحل البحر الأحمر في السودان

كانت جزيرة سواكن الساحلية الواقعة في شمال غرب السودان ذات يوم ميناءً مهمًا للغاية على البحر الأحمر.

وبدأت قصتها قبل 3000 عام، عندما حوّل الفراعنة في مصر الميناء ذا الموقع الاستراتيجي إلى بوابة للتجارة والاستكشاف.

وأصبحت سواكن، على مدار التاريخ، مركزًا لرحلة الحجاج المسلمين وهم في طريقهم إلى مكة، وأدت دورًا مهمًا في تجارة الرقيق في البحر الأحمر.

وكانت في العصور الوسطى جزءًا من الإمبراطورية العثمانية.

لكن أجزاء كثيرة منها الآن في حالة متدهورة، بعد أن تجاوزتها من حيث الأهمية مدينة بورتسودان، قبل 100 عام. وتقول منظمة اليونسكو إنها لا تزال تحتوي اليوم على نماذج رائعة من المنازل والمساجد.

وتعمل البروفيسورة كلارك حاليًا على بحث لتحديد مدى سرعة حدوث الأضرار التي سببها ارتفاع مستوى سطح البحر وتآكل السواحل.

وتقول: "ما نعرفه هو أن ساحل البحر الأحمر سيتضرر في العقود القادمة، وهذا يعني أن ما بقي على قيد الحياة سيضيع (إن لم يحدث تدخل)".

وفي عام 2018، وقع السودان وتركيا عقدًا مدته 99 عامًا لإعادة تطوير سواكن بهدف السياحة، لكن منتقدي تركيا يشتبهون في أن لديها أيضًا طموحات عسكرية.

مدينة لامو القديمة في كينيا

تعد مدينة لامو القديمة أقدم مستوطنة ساحلية وأكثر المستوطنات من حيث الحفاظ عليها، في شرق إفريقيا، بحسب ما تقوله منظمة اليونسكو.

وكانت لامو، على عكس المستوطنات المهجورة الأخرى على طول ساحل شرق إفريقيا، مأهولة باستمرار على مدى أكثر من 700 عام.

وتضيف الأمم المتحدة أنها حافظت على سلامتها الاجتماعية والثقافية، وأصبحت مركزًا مهمًا لدراسة الثقافات الإسلامية والسواحلية.

​ولكنها "تضررت بشدة بتراجع الخط الساحلي"، مما يعني أنها فقدت الحماية الطبيعية التي كانت توفرها لها الرمال والنباتات.

وتقول البروفيسورة كلارك: "يرجع ذلك جزئيًا إلى بناء ميناء لامو، الذي يدمر غابات المنغروف التي تحمي الجزيرة من الفيضانات".

وتضيف: "لذا فإن الكثير مما يمكن أن نسميه تراثا طبيعيا هو حماية للتراث الثقافي. وبينما ندمر التراث الطبيعي، فإننا نترك مواقع التراث الثقافي مكشوفة."

المواقع الساحلية في جزيرة القمر

لا يوجد لدى اتحاد جزر القمر، وهو الأرخبيل البركاني الواقع قبالة ساحل شرق إفريقيا في قناة موزمبيق، مواقع تراث عالمي، لكن الدولة تعتزم ترشيح أربعة مواقع.

وبدأ العمل بالفعل في منطقة السلطنات التاريخية لجزر القمر، التي تشمل المدينة القديمة في قرية دوموني، التي ترجع إلى القرن الثاني عشر، وتقع في جزيرة أنجوان.

وتحتوي على قصر يرجع إلى القرن الثالث عشر، حوفظ عليه جيدًا، ومبان أخرى يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر.

وتقول البروفيسورة كلارك إن جزر القمر واحدة من أكثر الأماكن "المهددة" بارتفاع مستوى سطح البحر في إفريقيا.

ووفقا للدراسة الجديدة، فإن الانبعاثات الكربونية المعتدلة والعالية "ستغرق أجزاء كبيرة من المنطقة الساحلية الإفريقية بحلول عام 2100".

"ستكون غينيا، وغامبيا، ونيجيريا، وتوغو، وبنين، والكونغو، وتونس، وتنزانيا (بما في ذلك زنجبار)، وجزر القمر، كلها في خطر كبير من تآكل السواحل، وارتفاع مستوى سطح البحر، بحلول عام 2050".

الحصون والقلاع الساحلية في غانا

تنتشر على ساحل غانا مراكز تجارية محصنة تأسست بين عامي 1482 و1786، وتمتد على مسافة 500 كيلومتر بين كيتا وباين.

وبنى تجار من البرتغال، وإسبانيا، والدنمارك، والسويد، وهولندا، وألمانيا، وبريطانيا، قلاعا وحصونا واحتلوها في أوقات مختلفة.

وأدت تلك البنية التحتية دورًا في تجارة الذهب، وفي ازدهار وتلاشي تجارة الرقيق، في وقت لاحق، بين إفريقيا والأمريكيتين.

لكن وقوع الحصون في منطقة مكتظة بالسكان جعلها معرضة بشدة لتأثير تقلبات المناخ، (مثل هبوب العواصف)، وتغيره (مثل ارتفاع مستوى سطح البحر).

وتقول البروفيسورة كلارك إن بعض الأمثلة على تلك الهندسة المعمارية، مثل حصن برينزينشتاين، في كيتا، بدأ "يتآكل ويبتلعه البحر".

وأدت تلك البنية التحتية دورًا في تجارة الذهب، وفي ازدهار وتلاشي تجارة الرقيق، في وقت لاحق، بين إفريقيا والأمريكيتين.

لكن وقوع الحصون في منطقة مكتظة بالسكان جعلها معرضة بشدة لتأثير تقلبات المناخ، (مثل هبوب العواصف)، وتغيره (مثل ارتفاع مستوى سطح البحر).

وتقول البروفيسورة كلارك إن بعض الأمثلة على تلك الهندسة المعمارية، مثل حصن برينزينشتاين، في كيتا، بدأ "يتآكل ويبتلعه البحر".

وتشتهر مابونغوبوي بمبانيها الحجرية المتقنة التي أنشئت في العصور الوسطى.

وتمتلك تويفيلفونتاين في الوقت نفسه واحدة من أكبر تجمعات النقوش الصخرية في إفريقيا.

وتصفها منظمة اليونسكو بأنها "سجل مكثف وعالي الجودة لممارسات الطقس المتعلقة بمجتمعات الصيد في هذا الجزء من جنوب إفريقيا على مدى 2000 عام على الأقل."

المدن القديمة في دجيني في مالي

تعد منازل دجيني التي يبلغ عددها 2000 أو ما يقرب من ذلك، واحدة من أكثر الصور الأيقونية شهرة في مالي. وكانت دجيني، المأهولة منذ عام 250 قبل الميلاد، مدينة أسواق ورابطًا مهمًا في تجارة الذهب عبر الصحراء.

وكانت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، واحدة من مراكز انتشار الإسلام.

لكن تغير المناخ أثر في توافر الطين العالي الجودة، الذي يستخدمه السكان الأصليون لتلك الإنشاءات.

وتقول الدراسة إن السكان المحليين، الذين شهدوا أيضًا انخفاضًا في دخلهم بسبب تراجع المحاصيل، يضطرون إلى الاعتماد على مواد أرخص "تغير شكل المدينة بشكل جذري".

وتقول البروفيسورة كلارك: "تغير المناخ يمكنه، كما قلنا في البحث، أن يكون عاملًا مضاعفًا للتهديد. وله تأثيرات غير مباشرة، يمكن القول إنها أكثر خطورة من التأثير المباشر".

وتضيف: "دجيني مثال معقد حقًا، يوضح كيف يمكن لتغير المناخ أن يؤثر في نقاط الضعف الاجتماعية والاقتصادية القائمة في المجتمع المحلي."

"مواقع رائعة بشكل لا يصدق"

إن ما يهدد التراث الإفريقي لا يتعلق فقط بتغير المناخ نفسه، بل يتعلق أيضًا بقدرة البلدان على التخفيف من أضراره.

فهناك دول مثل مصر، تقع في منطقة منخفضة معرضة لخطر شديد من الفيضانات في العقود المقبلة، لكنها مجهزة جيدًا للتعامل مع بعض التحديات.

وهناك، من ناحية أخرى، دول أفقر، أو منكوبة بصراعات، مثل الصومال، غير قادرة على إدراج مواقعها في قائمة التراث العالمي، ناهيك عن حمايتها.

وتقول البروفيسورة كلارك إن ثماني دول أفريقية ليس لديها مواقع محددة من قبل الأمم المتحدة، على الرغم من وجود مناطق تراث ثقافي لديها ينطبق عليها القانون.

وتضيف: " نعلم، من الناحية الأثرية، أن بعض أكثر المواقع الرائعة بشكل لا يصدق، يوجد في الطرف الشمالي من الصومال".

ويهدف بحث البروفيسورة كلارك إلى إلقاء الضوء على تلك المواقع التي لا يعرف عنها العالم إلا القليل، وتخشى أن "تختفي دون أن يعرف بها أحد".