في بداية أزمة كورونا، كنا نحصي المصابين بالآحاد، ثم بالعشرات فالمئات، لننتقل إلى مرحلة إحصاء الوفيات التي بدأت هي الأُخرى بالآحاد، وربما تتدرج نحو العشرات أو المئات، لا قدّر الله، إذا بقينا على الدرجة نفسها من الاستهتار، أو القناعة بأن كورونا غير موجود أصلاً.

ظلَّ قسم كبير من الناس يستصعبون أو يخجلون من ارتداء القفازات والكمامات والخروج بهما إلى الشارع أو العمل كإجراءٍ وقائيٍّ للحد من انتشار فيروس كورونا، ولم نسجل ارتفاعاً في منسوب ارتداء الكمامة في مختلف المحافظات سوى في الأيام الأخيرة قبل الإغلاق الأخير، وبعد التزايد الكبير في أعداد المصابين وانتقال العدوى إلى كافة المحافظات من دون استثناء.

كثيرون من الناس يرون أن المشكلة الأخطر هي في عقلية تلك الشريحة من الناس، التي ما زالت غير مقتنعة بوجود كورونا، وأن الأمر لديها لا يعدو كونه لعبة سياسية أو اقتصادية، وربما دينية عبر إغلاق المساجد وإبعادنا عنها.

وضمن التندر على واقعنا الكوروني علّق أحد المواطنين: "في الدول الأُخرى يقومون بالأبحاث العلمية والطبية، ويبذلون الجهود الكبيرة لاكتشاف مصل أو علاج لكورونا، أمّا نحن فما زلنا غير قادرين على إقناع الناس بوجود كورونا".

فجر يوم الأحد، كان مشهد إقامة صلاة الجنازة من قبل فريق من الطب الوقائي على سيدة من نابلس تُوفيت جرّاء إصابتها بكورونا مؤثراً وحزيناً ومُبكياً، فقد وقفت ثلة من الأطباء بزيها الكوروني الكامل تحت الأضواء الكاشفة لتودع جثمان الفقيدة المغطى بالأسود قبل نقلها لمواراتها الثرى وفق إجراءات خاصة بوجود نفرٍ من ذويها.

صحيح أن المشهد كان محزناً ومرعباً في الوقت ذاته ويعكس ما ينتظرنا، لكنه لم يكن كافياً لإقناع الكثيرين بالتخلي عن حالة الاستهتار التي تركب رؤوسهم، فما هي إلا ساعات قليلة على هذا المشهد التراجيدي حتى ورد بيان من الشرطة يشير إلى قيامها بإغلاق عشرات المحلات والمقاهي واحتجاز عشرات المركبات في نابلس لمخالفة أصحابها إجراءات الإغلاق المفروضة. زِد على ذلك أن شارعاً حيوياً، مثل شارع الحرية الذي يمر من أمام مبنى محافظة نابلس (مركز القرار)، شهد في اليوم الرابع من الإغلاق حركة سير نشطة واختناقات مرورية ما كان يجب أن تحصل في ظل حالة الإغلاق المفروضة التي تستوجب بقاء الناس في منازلهم، وإلا فما فائدة الإغلاق. والأدهى من ذلك أن محافظةً مثل الخليل التي سجلت أرقاماً ضخمةً في عدد المصابين وباتت على شفا هاوية وبائية، لا تزال تُقام فيها حفلات الزفاف التي تُعدّ مصدراً أساسياً لانتشار الوباء.

فترة الإغلاق تنتهي مساء الثلاثاء وفقاً لقرار رئيس الحكومة، ولا ندري حتى الآن إن كان سيُصار إلى تمديد الإغلاق، أو إلى الفتح الجزئي أو التدريجي أو الكامل، لكن ما يعلمه الجميع أن أعداد الإصابات تتصاعد، وتتصاعد معها تلقائياً أعداد الوفيات، وبالتالي فإنه مهما كان القرار فإن المسؤولية الفردية مهمة جداً في حماية الذات وحماية الأُسرة وحماية المجتمع، وهذه المسؤولية تتطلب منا أولاً عدم الانصياع لأُولئك الجهلة المشككين بوجود هذا الفيروس الذي فتك ولا يزال بالعالم، وتتطلب ثانياً اتخاذ كافة إجراءات الوقاية من استخدام الكمامات والقفازات، والتباعد بيولوجياً وليس روحياً أو عاطفياً، لأنه بغير ذلك ستتفاقم الحالة، وسنندم على يوم استبدلنا فيه الكمامة بالكفن.