تلتئم الدول التي احتفلت قبل عامين بتوقيع اتفاق باريس للمناخ الاثنين المقبل في بون في إطار المؤتمر الثالث والعشرين للمناخ في أجواء يغلب عليها ترقب حذر، إزاء تأثير موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

والاجتماع الذي تستضيفه ألمانيا من 6 إلى 17 نوفمبر هو الأول الذي سيجمع مندوبين من قرابة 200 بلد منذ إعلان ترمب انسحاب واشنطن من الاتفاق التاريخي الذي صيغ بعناية مفرطة واستغرق جهوداً امتدت سنوات.

ولأول مرة كذلك، ستتولى دولة صغيرة هي أرخبيل فيجي رئاسة المؤتمر، وهي من بين الجزر المهددة بالغرق نتيجة تأثير الاحتباس الحراري على الأرض.

وقالت مفاوضة فيجي نزهت شميم خان "نريد أن ننقل إلى مؤتمر بون الطابع الملح (للمشكلة) كوننا نعيش في المحيط الهادئ ونختبر تأثيرات المناخ على تفاصيل حياتنا اليومية".

وفي جهات العالم الأربع، تكررت في سنة 2017 كوارث طبيعية يتوقع العلماء أن تزداد حدة بسبب التغيّر المناخي: أعاصير عاتية في الانتيل وفلوريدا، وحرائق هائلة في البرتغال وكاليفورنيا، وجفاف لا ينتهي في شرق أفريقيا...

ولقد دفعت هذه الظواهر برنامج الامم المتحدة البيئي إلى القول بأن هذه السنة ستكون "على الأرجح سنة قياسية لجهة الكلفة البشرية والاجتماعية والاقتصادية للكوارث الطبيعية".

حتى اليوم صدّقت على الاتفاق الذي أقر في نهاية 2015، 168 بلداً، آخرها نيكاراغوا التي اتخذت لفترة طويلة موقفاً متردداً، وهو ينص على الالتزام بابقاء الارتفاع الحراري تحت درجتين مئويتين وحتى 1,5 درجة مقارنة مع مستوى ما قبل الثورة الصناعية.

لكن اعلان انسحاب الولايات المتحدة شكل ضربة قاسية لهذه العملية المعقدة التي تتطلب التخلي عن مصادر الطاقة الاحفورية، من فحم ونفط وغاز، من أجل خفض انبعاثات الغازات الملوثة المسببة للاحتباس الحراري.

لا تزال في هذه المرحلة الالتزامات المعلنة في باريس ترفع درجة الحرارة فوق 3 درجات مئوية. وعلى الرغم من التقدم المحرز مثل تثبيت مستوى انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، فإن الفارق بين الاجراءات المتخذة والاحتياجات لا يزال "كارثياً"، وفق ما حذرت الأمم المتحدة في تقرير نشرته هذا الأسبوع ودعت فيه الدول الى تعزيز مساهماتها.

تراجع الزخم

وقالت المفاوضة الفرنسية السابقة لورانس توبيانا التي لعبت دوراً رئيسياً في تسيير مفاوضات اتفاق 2015 إن مؤتمر بون "كان يفترض في الاساس أن يكون تقنياً ويتعلق بمناقشة أحكام تطبيق اتفاق باريس. لكن في ظل القرار الأميركي عاد ليصبح حدثًا سياسيًا مهمًا من اجل إعادة تأكيد التزام كل الدول بالاتفاق".

وأضافت توبيانا مديرة مؤسسة المناخ الأوروبية "سيكون غاية في الأهمية أن نستمع إلى الحكومات وأن نرى أنه ليس هناك تراخٍ - ولديّ الانطباع أن الأمر ليس كذلك".

لكنّ آخرين يبدون أقل تفاؤلاً مثل وزير كوستاريكا ادغار غوتييريز اسبيليتا رئيس جمعية الأمم المتحدة للبيئة، الذي قال "نلمس تراجعاً في الزخم: واشنطن تقول إن (اتفاق باريس) ليس منصفاً للولايات المتحدة. غير أني أذكر أن بلداناً أخرى صفقت للرئيس ترمب عندما قال ذلك. سنرى إذن".

من المقرر ان ترسل واشنطن وفدًا إلى بون من أجل "حماية المصالح الأميركية" وفق تعبير ترمب، وهي رغم أن انسحابها لن يصبح فعليًا حتى نوفمبر 2020، فإنها لا تعتزم تطبيق خطة العمل الوطنية التي عرضها الرئيس السابق باراك أوباما.

وقالت سفيرة فيجي إن الموفدين الأميركيين أبدوا الرغبة في "مشاركة بناءة".

وقال محمد أدو من جمعية الإغاثة المسيحية "كريستيان ايد" المدافعة عن حقوق الدول النامية، "ينبغي أن لا ندع الولايات المتحدة تتحول إلى قوة مدمرة (...) لا ينبغي أن يؤثروا على الاتفاق بعد أن أعلنوا انسحابهم منه".

يجمع مؤتمر بون 20 ألف شخص في المدينة التي تضم مقر اتفاقية الأمم المتحدة للمناخ من بينهم عدد من كبار المسؤولين الذين سيشاركون في الأسبوع الثاني ولا سيما المستشارة انغيلا ميركل والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في 15 نوفمبر. وسيشارك الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش ورئيس بلدية نيويورك السابق مايكل بلومبرغ وحاكم كاليفورنيا جيري براون، وهم من الناشطين الملتزمين في مجال المناخ، لتعويض الموقف الرسمي الأميركي.

وقبل الافتتاح، دعت منظمات المجتمع المدني الى تظاهرة السبت في بون "من اجل المناخ وضد الفحم"، تتوقع الشرطة مشاركة 10 آلاف شخص فيها.