كلّ المدن تنهض وتسقط باستثناء واحدة. هذا ما كتبه المؤلف الفرنسي بيار جيلز في القرن السادس عشر، مضيفًا: "يبدو أن القسطنطينية وحدها تظهر نوعًا من الخلود، وستظل مدينةً ما دام العرق البشري مستمرًا ليسكنها أو يعيد بناءها". لطالما كان هناك شيء مميز في هذه المدينة التي تقع على ضفاف مضيق البوسفور، وتشكل نقطة التقاء أوروبا وآسيا.

جولة دقيقة

حضارات عدة تركت أثرها في مدينة إسطنبول

كتاب "إسطنبول: قصة مدن ثلاث "Istanbul: A Tale of Three Cities لبيتاني هيوز المفعم بالحماسة قصيدة لتجسيدات المدينة الثلاثة: بيزانتيون من الماضي القديم، والقسطنطينية التي كانت عاصمة الإمبراطورية البيزنطية المسيحية، والقسطنطينية في عهد العثمانيين المسلمين المعروفة اليوم باسم إسطنبول. وفيه تأخذنا هيوز حول مدينة مهيبة وسحرية وروحانية، فتبقى قليلة الأماكن التي لا تبحث فيها بدقة. ويعدّ هذا الكتاب سيرة حبّ لمدينة لا تزال قائمة، لا يهمّها شيء ولا تنام مطلقًا.

بحسب الأسطورة، مدينة بيزنطة (بيزانتيون) أسّسها الملك بيزاس الذي كان مباركًا من الآلهة: كان والده إله البحر بوسيدون، وجده زيوس ذاته الذي عشق كاهنة اسمها إيو، ما أغضب زوجته، فحوّلت إيو إلى بقرة، وأرسلت عليها ذبابة ماشية تعذّبها وتنخسها لدرجة إنّها عبرت المضائق التي أصبحت تعرف باسم أوكس فورد، أو البوسفور.

اختار بيزاس موقعًا جيدًا لمدينته، تجد فيه الموانئ الطبيعية وإمدادات المياه الوفيرة والمناطق النائية الخصبة التي كانت مشهورة في العالم القديم، حتى إن أغاممنون قدّمها إلى أخيل لإرضائه خلال حرب طروادة. والجدير ذكره أن الثروة الطبيعية جعلت سكان بيزانتيون أغنياء، وأثارت غيرة الآخرين. وكان زوّار المدينة يغرقون "تمامًا في الفخامة الفاسدة" وفقًا لما كتبه مؤلّف فجّ منذ أكثر من 2000 سنة، وتبعه مؤلفون آخرون.

أدهشت الجميع
كانت بيزانتيون في تقاطع طرق التجارة، ما جعلها مركز جذب، لا للسكان المحليين فحسب، بل للجميع. وبعدما اكتشف الإمبراطور الروماني قسطنطين أن روما بعيدة جدًا عن العمل، انتقل إلى بيزانتيون، استثمر فيها أموالًا طائلة وأنشأ القصور والآثار والمعابد، والكنائس بعدما اعتنق المسيحية. في الوقت الملائم، أصبحت مدينة قسطنطين - القسطنطينية - عاصمة الإمبراطورية نفسها، وعظمت أهميتها بعدما قام القوطيون وغيرهم باجتياح أوروبا.

لم ينج الجزء الشرقي من الإمبراطورية فحسب، بل ازدهر، خصوصًا في ظل حكام مثل جستنيان وزوجته الرائعة ثيودورا التي شيّدت آثارًا تستحقها ملكة المدن، منها آيا صوفيا المذهلة، كنيسة "الجمال الذي لا يوصف" على حد تعبير أحد المعاصرين، وهو أمر يصعب نكرانه اليوم.

أثارت المدينة دهشة الجميع من كل حدب وصوب وفقًا لهيوز التي تجوّلت بشكل مثير للإعجاب من الدول الاسكندنافية إلى الصين، تابعة الزوار الذين حفروا أسماءهم على جدران آثارها أو أفادوا بأن القضبان مزينة باللازورد، والأرضيات مصنوعة من الذهب الأصفر ومزودة بأنظمة هيدروليكية متطورة للحفاظ على انتعاش السكّان.

إعادة اختراع مدينة
كانت ثروة القسطنطينية البيزنطية سبب خرابها. صحيح أنّها جذبت التجار، لكن أيضًا الاهتمام من الفايكنغ والحجاج وربما حتى من الملك البريطاني آرثر، الذي كان مصممًا على أن يصبح سيدها. وفي عام 1204، سقطت ونهبها الفرسان المشاركون في الحملة الصليبية الرابعة الذين انحرفوا عن التزاماتهم المقدسة لنهب المدينة، واستولوا على بعض الآثار المسيحية التي لا تقدر بثمن.

انتهت التجربة الغربية لحكم القسطنطينية بالفشل، لأن العنصر السحري في جعل مركز عالمي بهذا الحجم يعمل، أي حسن الإدارة، لم يفهمه الفرسان.

وبحلول القرن الخامس عشر، كان العثمانيون هم من حاولوا أن يستولوا عليها، ونجحوا في ذلك أخيرًا في عام 1453. وكان هذا تحقيقًا لوعد بأن المدينة التي كانت "ماسة بين حجري ياقوت وحجري زمرد" ستقع بين أيديهم.

شكّلت القسطنطينية العثمانية فصلًا مختلفًا في إعادة اختراع مدينة وماضيها. تم إدخال أساليب جديدة، مثل توبكابي، مستعرضة "طريقة عيش شرقية جديدة تمامًا"، جنبًا إلى جنب مع أماكن عبادة الديانة المهيمنة الجديدة، الإسلام، مثل مسجد أيوب سلطان. في بعض الحالات، هُدم القديم لإفساح المجال أمام الجديد، وتمّ استخدام أعمدة ميادين سباق الخيل في المستشفيات.

مقالات ساحرة
لم تفقد المدينة سحرها، ولا حسّ الغرابة التي عُرفت به دومًا. وبحسب زائر بريطاني متحفّظ، كانت رقصات ما قبل حفلات الزفاف جريئة قليلة الحشمة، على الرغم من أن البعض انبهر بالملابس الحريرية الجميلة و"العمامات المنتفخة" التي يرتديها السكان.

في بداية القرن العشرين، لم تكن النظرة إلى القسطنطينية ومواطنيها سلبية بقدر ما هي سامة، ولا سيما من جانب أولئك الذين أرادوا الاستيلاء على المدينة لأنفسهم، كما فعل البريطانيون مباشرة بعد الحرب العالمية الأولى.

قال اللورد كرزون إن الوجود التركي في المدينة يشبه "الطاعون"، في حين كتب لويد جورج أنه منذ أن استولى الأتراك عليها، أصبحت معقلًا لكل أنواع الرذائل الشرقية والمصدرالذي انطلق منه سم الفساد والمؤامرات على نطاق واسع.

كتاب هيوز يعيد إحياء ماضي هذه المدينة المجيدة، وهو مليء بالمقالات الساحرة، ومثال على ذلك حين طلبت زوجة السلطان مستحضرات تجميلية من الملكة إليزابيث الأولى، أو شعبية مشاهد بانورامية من القسطنطينية في لندن في بداية القرن التاسع عشر، وهي مكتوبة بأسلوب حذق وحيوي: قيل إن الإمبراطورة ثيودورا لم تكن تملك المال قبل أن تتزوج من جستنيان. وبعدما تحرّرت اليونان، "اختارت المدينة التكيف بدلًا من الاستياء".

موضوعات مجتنبة
الفصول قصيرة ومسلية، مرتبة ترتيبًا زمنيًا، لكنّ المؤلفة تتجنّب موضوعات متنوعة مثل "الجنس والخصي"، و"تجارة الرقيق الأبيض والطاعون الأبيض" و"التماثيل في السماء". الجدير ذكره أن هيوز قرأت الكثير، وهي ملمّة بأحدث الاكتشافات الأثرية، بما في ذلك مقبرة المحارب التي تمّ اكتشافها في العام الماضي. هناك الكثير هنا للترفيه عمّن يعرفون أمورًا عن المدينة، وأكثر من ذلك لأسر انتباه أولئك الذين لا يفعلون.

من المؤسف أن هيوز تنهي الكتاب في عام 1923، على الرغم من أن الفصل الأخير يتناول الفترة التالية باختصار، حين تصبح المدينة رسميًا إسطنبول.

كان يمكن هذا الكتاب أن يكون حكاية أربع مدن بدلًا من ثلاث، لأن إسطنبول تغيرت بشكل كبير على عهد أتاتورك، تمامًا كما تتغير بسرعة على عهد أردوغان. لكن كما تذكرنا الكاتبة ببلاغة، لطالما كان حكام هذه المدينة المهيبة متغطرسين. وإذا كان بيار جيل على حق، فسوف يبقون على هذه الحال طويلًا.