لقاء مع الدكتور زياد مناع خطيب، مختص في علم النفس العلاجي السريري وفي علم النفس التربوي، مدير مركز الخدمات النفسية في عبلين ( الجزء الأول):  
آباء اليوم مسؤولون عن انقطاع أبنائهم عن القيم الحضارية لمجتمعنا، حيث اهتموا بالتحصيل العلمي لأبنائهم على حساب المعرفة.

حاوره : زياد شليوط
مقدمة: الدكتور زياد خطيب من مواليد شفاعمرو عام 1957 أنهى دراسته في ثانوية شفاعمرو البلدية . سافر إلى بلجيكا عام 1980 ودرس في عاصمتها بروكسل موضوع علم النفس وحصل على الدرجات العلمية الجامعية الثلاث ، وعمل فترة طويلة هناك في مجال تخصصه إلى أن عاد إلى البلاد عام 1998 حيث عمل في عدة أماكن منها مستشفى نهاريا ، وفي مركز الخدمات النفسية في شفاعمرو وطمرة وعمل في مجال الأبحاث التربوية في وزارة المعارف وبرامج مساواة المرأة بالرجل في الوسط العربي، ويعمل حاليا مديرا لمركز الخدمات النفسية في عبلين ، والمعهد الداخلي للأولاد في ضائقة نفسية- اجتماعية ، ويلقي المحاضرات في مجال تخصصه.

الدكتور زياد يقيم في شفاعمرو ، لكن معظم وقته يقضيه خارج المدينة مما يؤثر على تفاعله ومعرفته بما يجري داخل مدينته ، وهناك أجيال لا تعرف الدكتور زياد نظرا لابتعاده الطويل عن مدينته ، للتعريف بابن شفاعمرو الدكتور زياد خطيب وبمجالات عمله وللاستفادة من خبرته ، قام "موقع شفاعمرو" باجراء اللقاء التالي معه.

موقع شفاعمرو: نرحب بك معنا في هذا اللقاء الخاص ، ونود أن نسمع منك بداية تلخيصا لتجربتك ، منذ أن تركت البلاد وبعد عودتك المتأخرة ، كيف تلخص تلك التجربة من وجهة نظرك؟

د. زياد: لقد تركت البلاد عام 1980 حين سادت في مجتمعنا عادات وتقاليد ، وبعدما عدت ( بعد عقدين تقريبا) لمست تغييرا هائلا قلب مجتمعنا رأسا على عقب، وبشكل سريع جدا أثر ويؤثر على حياتنا، ومجتمعنا اليوم يمر في أزمة تربية وهوية وانتماء ووجود ووجدانية. الفارق بين الإنسان الأوروبي ( والغربي عامة) وبين العربي بناء على تجربتي ، أن أوروبا مرت بالأزمة وتجاوزتها في سنوات الستين من القرن الماضي، ووجدوا هناك حلا نسبيا لأزمتهم مع أنه ليس كاملا. أما نحن في الداخل فما زلنا نمر بالأزمة وأصعب ما فيها أننا لا نعرف أنفسنا . نقرأ أحيانا مقالات رائعة تلمس المشكلة ، لكن تنقصها الرؤية الواسعة الصحيحة.

انتقل مجتمعنا من مجتمع زراعي تقليدي إلى مجتمع استهلاكي ، تخلينا خلال هذه العملية عن قيم حملناها في الماضي والبعض منها ايجابي ، دون أن نفكر ونراجع تلك القيم ، وسرنا في حياتنا بشكل ميكانيكي سهل ، والمشاكل المتفاقمة أثرت على حياتنا ليس الاجتماعية فحسب بل الدراسية والتربوية والسلوكية وغيرها.

موقع شفاعمرو: لقد تحدثت عن مجتمعنا المحلي مقارنة بالمجتمع الأوروبي ، ماذا مع المجتمع العربي العام أي في الدول العربية، هل مر بنفس الأزمة ، وما هو وضعه اليوم؟

د. زياد: نعم، خلال  وجودي في اوروبا التقيت بزملاء وأصدقاء من العالم العربي وتبادلت الحديث معهم حول هذه النقطة، والأزمة موجودة لديهم ، والعولمة تؤثر عليهم وتنعكس في أزمة تربوية – اجتماعية ، المشاكل العائلية هناك ازدادت بشكل كبير وخاصة في ظاهرة الطلاق حيث وصلت إلى 28% . لكن مشكلتنا الأساسية هنا أننا نعيش في ظروف سياسية ، تاريخية، اقتصادية مختلفة ، نعيش في مجتمع منغلق نوعا ما منقطع عن جذوره، لكننا نعيش مع شعب آخر غربي المنحى، والممارسة اليومية والاختلاط تكسبنا سواء شئنا أم أبينا عادات وقيم مأخوذة من المجتمع الغربي.وحدث لدينا انفصام بين السلم الشرقي التقليدي والسلم الغربي في القيم. نحن موجودين بين  فكين  في الوقت الذي نفقد فيه جذورنا، وانتماءنا التاريخي وليس الاجتماعي فحسب، ومشكلتنا ليست عابرة.

موقع شفاعمرو: كثيرون يشاركونك الرأي ، لكن ليس لدينا حلول ، الجيل الجديد منقطع عن تاريخه وحضارته ولا مبال ، كيف يمكن أن نتعامل معه وهو يعيش في عالم خاص به ؟

د. زياد: نحن شركاء  في المسؤولية عن هذه الحالة التي تصفها ، وليس أولادنا فقط. إحدى أساليب التعليم هي المحاكاة . لا توجد وصفة جاهزة. انشغالنا بحياتنا اليومية والسعي وراء لقمة العيش  وتلبية الحاجات المادية ساهم في ذلك. إن جيلنا ( جيل الخمسينات والستينات) نشأ ولديه شكوكية في مدى صحة القيم التي نعيشها وفي مدى إمكانية التعايش مع الحضارة والعصرنة مع المحافظة على قيمنا، وكان لدينا شك أنه لا يمكن ذلك. كنا نريد أن نواكب النهضة الصناعية ، لكننا قفزنا قفزة كبيرة بالعلم. ارتفعت نسبة الأكاديميين على حساب الاعتبار الحضاري القيمي لمجتمعنا، لهونا بالتحصيل المادي على حساب القيم .والسؤال الآن كيف نبني جيلا نثير فيه الدوافع النفسية ونخلق بيئة على مستوى شعبي ، من أجل الاهتمام بلغتنا وحضارتنا وآدابنا؟ أشعر أن تدريس اللغة اليوم يهتم بالناحية الوظائفية من أجل التحصيل والدرجة ، على عكس ما كنا نتعلم ، حيث شكل تدريس اللغة في عصرنا نافذة على الثقافة ومعرفة الأدب والأدباء ، ساهمت في تعزيز ثقافتنا ومعرفتنا العامة تضاهي معرفة أبناء شعوب أخرى.

موقع شفاعمرو: اسمح لي أن أقاطعك، صحيح ما تطالب به ، لكن نوعية الطلاب اليوم تختلف ، الجيل الحالي ، لا يهتم للأدب والأدباء ، يهمل الثقافة العامة ، لا يتذوق الأدب ، المطالعة وضعها تعيس...


د. زياد: صحيح ، هذا ما أشرت إليه ، لكن أيضا جيلنا مسؤول حيث ركزنا في نجاح أولادنا وتحصيلهم العلمي. لم نقدم لأولادنا المثال ، أولادنا لا يشاهدوننا نقرأ، حتى الصحف والمجلات. أولادنا يعيشون في بؤرة ضيقة ، تحد من اطلاعهم ومحبتهم للمعرفة. أذكر أن أحد الفلاسفة الألمان المعروفين قال بأن أنبل طريقة تعلم فيها هي قراءة الجريدة. اليوم لا تتوفر الدوافع النفسية للولد نحو حب الاستطلاع ، لأنه يفتقد ذلك في البيت. في السابق عندما كان الطفل ينشأ في بيت ما كان يتعلم من والديه أو أخيه الأكبر ، كانت هناك محاكاة . فهناك معرفة وهناك علم. العلم نأخذه من المدرسة ، أما المعرفة فهي تأتي من التجربة الإنسانية المباشرة ، من التعلم ممن سبقنا وأكبر منا في مواجهة مشاكل الحياة وحلها. واليوم نعاني من أزمة معرفة التي أهملناها مقابل الاهتمام بتعليم أبنائنا الحروف والأعداد ،ونجاحهم في المستقبل وليس بناء قيمة اجتماعية للفرد وبناء شخصية مثقفة . كيف نعود اليوم إلى تلك القيم؟علينا تعويد أولادنا على محاكاتنا ، أن نقوم بمشاريع خارج وزارة المعارف ، خاصة بمجتمعنا بجهودنا الذاتية ، لأن مشاريع وزارة المعارف منقولة عادة عن الغرب ولا تناسب مجتمعنا ، فعلينا أقلمة المشاريع لتكون مناسبة لنا.

 

(في الجزء الثاني والأخير يدور الحديث عن علاقة الأبناء بالآباء ، نوعيتها ، طبيعتها، وطرق الوصول إلى تفاهم وحلول وسط)