1- المدرسة الأسقفية ( الكاثوليك)

بقلم : الياس جبور جبور

 قام في المدة الأخيرة بعض الأشخاص من أهل البلدة، مشكورين، بترميم بناية المدرسة الأسقفية القديمة (المعروفة باسم مدرسة الكاثوليك) والتي تقع في مدخل السوق القديم... بناية فخمة تدل على عراقة ومجد قديم... فنها المعماري الأنيق يضفي عليها رونقا وجمالا بالإضافة أنها كانت تحوي بين جدرانها تاريخ مجيد لو استطاعت هذه الجدران أن تنطق  لما توقفت عن الحديث عنه... أما وقد هجرها أهلوها وكادت أن تصبح خالية خاوية فهذه قصة أخرى لن أتطرق لها في هذا السياق...

قام هذا النفر يحدوهم الأمل وتدفعهم الغيرة والحمية ولربما الحسرة لرؤيتها على هذا الوضع، بتأثيثها بعد ترميمها وفتحها قاعة عامة يستعملها الناس في أفراحهم وأتراحهم...

وكالعادة تجمعنا المناسبات كلما دعت الحاجة نشارك بعضنا بعضا جريا على عادات نبيلة متأصلة بين الناس ورثوها أبا عن جد، حسناتها الجمة أكثر من أن تعد وتحصى...

وتعود بنا الذكريات كلما دخلها الواحد منا، نحن طلابها القدامى، وما أكثرهم... ويستحوذ علينا الشوق والحنين إلى تلك الأيام الخوالي...

ولما كان لا بد للناس أن تتجاذب أطراف الحديث، كعادة المجتمعات البشرية في كل مكان، كنت تسمع كل ما هب ودب من حديث... كان الناس يتناولون كل موضوع يخطر على بالهم... وكانوا يتداولون في قضايا الساعة ولا سيما تلك التي تشغل بالهم، ويستفسرون ويستوضحون ويطلبون معرفة المزيد من الملمين بهذا الشأن أو ذاك...

وكما يقال كانت الأحاديث تتشعب وتدور... يخوضون في مواضيع شتى وفي كثير من الأحيان يتخللها نقاش حاد لولا احترام المقام والمقال لطال ولربما اشتد واحتد...

ولكن فجأة وفي غمرة انغماس الناس في الأخذ والرد كنت تسمع من أحد الحاضرين، فجأة وبدون سابق إنذار، يطلب ممن يعرف أن يحدثه عن تاريخ هذه المدرسة أو بالأصح هذه البناية خصوصا وان السائلين معظمهم من صغار السن الذين لم يعايشوا تلك الحقب الغابرة... ولم يسمعوا عنها... ولما كان لزاما علينا أن نطلع هؤلاء الشباب على تاريخ آبائهم وأجدادهم، ولما كان من حقهم أن يعرفوا خصوصا وقد اختفت المجالس والدواوين في خضم الحياة العصرية الحديثة وقد كان يقال في السابق "المجالس مدارس"!!... ولم يعد هناك من يحدثهم، أشعر وكأن حلقة الوصل التي كانت تربط الماضي بالحاضر قد انقطعت... مما دفعني إلى لملمة بعض الذكريات التي عشت بعضها وعاصرتها بنفسي وسمعت بعضها ممن تقدم بهم السن وقد كانوا يرددونها في جلساتهم وفي ليالي سمرهم حفظت منها شيئا وضاع منها الكثير...

كانت بناية هذه المدرسة، التي كادت أن تدخل في عالم النسيان والتي تعتبر معلما تاريخيا بارزا من معالم هذه البلدة، "حديثة العهد" بالنسبة لمباني المدارس التي سبقتها والتي لا نعلم على وجه الدقة تاريخ بدايتها أو إقامتها... إذ انتقلت إليها المدرسة" القديمة" في أوائل سنوات العشرين من القرن الماضي ولم تكن هذه البناية في الأساس إلا دارا للسكن وهبها المرحوم جريس كركبي ابن هذه العائلة الشفا عمرية العريقة والكريمة بعد أن انتقل للسكن هو وعائلته في حيفا، لاستعمالها بديلا لبناية المدرسة القديمة والتي ربما تكون قد هدمت أو تهدمت ( ومن المرجح أن يكون الأنطش الحالي والذي انتهى العمل في بنائه عام 1927 قد أقيم على أنقاضها)... وقد وهب بالإضافة إليها كرما من الزيتون كي تتمكن المدرسة من تسديد معاشات معلميها من ريعه كما وأفرز لها المطران حجار وقفية خاصة، "مفروزة" عن وقف الكنيسة، عام 1924 (بحسب ما جاء في وثيقة موقعة بامضائه) وعين كل من يوسف مباريكي ونجيب كركبي وجبور الحلاق قيمين على هذه الوقفية وفوضهم باستعمال ريعها لصالح المدرسة ...

وكما ذكرت آنفا كانت بناية المدرسة "القديمة" التي سبقتها، وهي أقدم المدارس التي سمعنا عنها، تقع في ساحة الكنيسة الحالية ولربما كانت على غرار "الكتاتيب" التي غالبا ما كانت تقام بجانب المساجد والكنائس نظرا لان غالبية المعلمين كانوا من رجال الدين الذين كانوا يتقنون القراءة والكتابة في تلك الأيام حيث كان يندر وجود المتعلمين بين أبناء الشعب في ذلك الوقت فقد عم الجهل وانتشر الفقر والمرض من جراء الاحتلال التركي البغيض على هذه البلاد والذي دام مئات السنين...

هكذا كانت تقوم المدرسة "القديمة" بجانب الكنيسة وفي ساحتها... وأتخيلها عبارة عن غرف قليلة قديمة العهد ولربما هدمت أو تهدم معظمها وقد انتقلت من مكانها القديم بعدما شرع المطران حجار، مطران العرب، ببناء هذه الكنيسة الفخمة في أوائل سنة 1900 على أنقاض كنيسة صغيرة وقديمة ولم ينته البناء منها إلا عام 1904 حسب ما هو مسجل على اللوحة المعلقة على بابها وهو تاريخ انتهاء العمل فيها وليس بدايته...

ويجدر بنا الحديث هنا أن أهل البلدة كبيرهم وصغيرهم قد ساهم في بناء هذه الكنيسة الكبيرة وإلا فكيف استطاعوا إقامة مثل هذا البناء الفخم والضخم... وقد سمعت من بعض كبار السن أنهم شاركوا في عملية البناء وقام الصغار منهم بنقل حجارتها من المقالع القريبة على ظهور الحمير ومنهم من كان ينقل الكلس من "أتون" مجاور أقيم خصيصا لهذا الغرض... مما يدل على علو الهمة والحمية التي كانت تعتمل في قلوب الناس في تلك الأيام رغم صعوبة الحياة ورغم شظف العيش إلا أنهم ومع ذلك استطاعوا أن يقيموا هذا الصرح الجبار... وكم يحزنني اليوم ونحن نعيش في العصر الحديث ونتمتع بالعيش الرغيد لا نقوى على بناء ولو جزء صغير من مثل هذا البناء فأي جبابرة عظام كان هؤلاء الأجداد!!...

وتكاد الإمكانيات المتواضعة توشك على النفاذ فتتعهد عائلة "التلحمي" بالقيام بأعمال القصارة على حسابها الخاص وتتعهد عائلة كركبي بتزويدها بالبلاط الذي أحضر خصيصا من الشام... وقد سمعت من المرحوم والدي المولود في عام 1895  انه دخل هذه المدرسة عام 1900 وقد تلقى دروسه في بناية المدرسة "القديمة" التي كانت لا تزال موجودة في ساحة الكنيسة، وعلم فيها فيما بعد، إذ كانت تضم بضعة صفوف ابتدائية فقط ولكن هذه الصفوف الابتدائية القليلة العدد والبسيطة استطاعت أن تخرج جهابذة الرجال  قل أن تجد لهم مثيلاً بين الكثيرين من خريجي المدارس الثانوية والجامعات... كما كانت المواضيع التي تدرس فيها قليلة كان أهمها دروس اللغة العربية ومبادئ الحساب الأولية وبعض المواضيع الأخرى... ومن الجدير بالذكر أنهم كانوا يبدون اهتماماً خاصاً بالخط العربي حتى يتقنه الطالب ويصبح خطه كما كانوا يقولون "مثل الطبع" !!...

وكان المدرسون في الغالب من الكهنة الذين درسوا في المعاهد الدينية في لبنان وبهذا استطاعوا أن يدرسوا اللغة الفرنسية أيضا وقد كانت هذه اللغة هي لغة الثقافة الشائعة في تلك الأيام إذ لم تكن اللغة الانكليزية قد دخلت البلاد إلا بعد دخول الانكليز عام 1920 اللهم إلا بعض المدارس القليلة التابعة للكنيسة الإنجيلية التي كانت موجودة قبل مجيء الانكليز والتي كانت تعلم اللغة الانكليزية وقد استعانت حكومة الانتداب البريطاني  بخريجيها في وظائفها الادارية... 

ولا بد لي أن اذكر هنا أسماء بعض المعلمين القدامى من سكان شفا عمرو الذين سمعت عنهم وكان أقدمهم المرحوم  بطرس الحداد (عام 1882) ومن الطريف انه كان المعلم الوحيد في البلدة الذي يعرف أصول "الصرف والنحو"!!... ويبقى السؤال من أين حصل هذا المعلم القديم على هذه المعلومات؟!... وربما جاء بعده الأستاذ بولص حبيب وقد سمعت انه علم قبل ذلك في بلدة عوجا الحفير (نيتسانا اليوم) والذي بقي يعرف كل أيام حياته باسم المعلم "أبو رشيد"!!... وقد تتلمذ على يديه العديد من أبناء البلدة ومن معلميها القدامى أيضا المعلم سعد والمعلم شكري حبيبي (والد المرحوم اميل حبيبي)... ولعل أقدم مدير لها نما اسمه الى مسامعنا هو الخوري جورج نوني بالاضافة الى من سبقه...

 وقد فاتنا معرفة أسماء المعلمين الآخرين من كهنة وعلمانيين الذين علموا فيها  قبل تلك الفترة... غير انه مع مرور الزمن انضم إلى الهيئة التدريسية بعض المعلمين الشبان من سكان شفا عمرو ومن خارجها وكانوا قد تلقوا العلم خارج البلدة وعلى الأغلب في مدينة القدس أمثال المرحومين  أنيس الأرملي وشكري مباريكي ونعمان البابا، فيليب بحوث، الياس أبو حمد (انتقل اليها من صفد ) فيليب حداد...  ومع ذلك لم يتوقف إمداد هذه المدرسة بخيرة المعلمين الأكفاء من خارج شفا عمرو كالأستاذ ميشيل ليوس من معليا وفيما بعد الأستاذ نعيم مخول من البقيعة أطال الله في عمره، والأستاذ إبراهيم الخطيب من الجارة القريبة طمرة والأستاذ يعقوب طوطح من رام الله والأستاذ حنا مبدا من اقرت والاستاذ ابراهيم فرنسيس (فسوطة) وقد انضم اليهم فيما بعد كل من الأساتذة عزيز كركبي زهير ابو حمد و شفيق فرح من أبناء البلدة... وان فاتني ذكر بعض الأسماء الأخرى فأرجو المعذرة... وللمحافظة على المستوى العالي نسبياً لهذه المدرسة فقد أحضروا بعض المعلمين من لبنان أذكر منهم الأستاذ حنا كنعان والأستاذ توما والأستاذ انطون عربش وهو لبناني الأصل جاء من البرازيل ليدرس في شفا عمرو!! ...

وعندما دخلت المدرسة لأول مرة وكان ذلك عام 1940 كان مديره ا(ربما لبعض الوقت) كاهنا يدعى بولص الشاعر أذكر انه كان ظالماً قاسياً لا زلنا نذكر عصاه الغليظة !!...

ثم عاد وتولى إدارتها بعده الأستاذ عزيز لحام والذي كان قد عين مديرا لها عام 1932  الذي كان أمينا مخلصاً وقد تفانى في خدمتها عشرات السنين والى أن خرج الى التقاعد عام 1965 وله فضل كبير على هذه البلدة... وحاول تحويلها الى مدرسة ثانوية وافتتح فيها الصف الثانوي الأول فعلا  كما  وعمل على رفع مستواها الثقافي بما أخرجه من روايات تمثيلية أدبية لعل أهمها رواية صلاح الدين الأيوبي والتي يقول في مطلعها:

ان لم أصن بمهندي ويميني ملكي         فلست اذن صلاح الدين

 وفي عام 1948 عندما حلت نكبة فلسطين وأغلقت المدارس أبوابها قام نفر من شباب شفا عمرو المثقفين وقد كانوا انهوا دروسهم الثانوية حديثاً بعضهم في القدس وعكا وحيفا وفتحوا أبواب المدرسة تطوعاً وكانوا مليئين حماساً ...

ولعل ما كان يميز هذه المدرسة، وغيرها من مدارس شفاعمرو، أن أبوابها كانت مفتوحة أمام كل أبناء شفا عمرو دون تفرقة أو تمييز، كانت مدرسة خاصة للبنينً والى جانبها كانت تقوم مدرسة راهبات الناصرة كمدرسة خاصة للبنات تديرها راهبة فاضلة تدعى "مير نجد" بالإضافة إلى بعض الصفوف القليلة للبنات في مدرسة البروتستانت تديرها المرحومة المعلمة أمينة أبو رحمة... ومن الأشياء التي كنت أتأثر لسماعها وكانت تترك انطباعاً رائعاً في نفسي، لا زلت احمله حتى يومنا هذا، عندما كنت التقي بالشيوخ الأفاضل من أبناء الطائفتين الكريمتين الدرزية والإسلامية ومن بعض كبار السن وهم يتباهون ويتفاخرون "نحن خريجو المدرسة الأسقفية الكاثوليكية "!!...

هكذا جلس أبناء شفاعمرو في الماضي أترابا وزملاء على مقعد الدراسة جنباً إلى جنب كأخوة متحابين طيلة أيام حياتهم... وتبقى الصداقة المدرسية أقوى ما تكون مهما مرت عليها السنون... يا حبذا لو تعود تلك الأيام الشفا عمرية المجيدة ...