جمع في فرقته "ميستو" كل العالم وحمل على كتفه امال واحلام وابتسامة بلده!

***له أصدقاء في جميع أنحاء العالم العربي***لغته الموسيقى لكن لا يستطيع التخلص من ميوله السياسية***هناك أسماء فلسطينية لامعة في مجال الموسيقي والشعر وهم زهور بركة وخميرة التاريخ***يحلم بأن يكون معهد موسيقي وفرقة موسيقية في كل حارة في البلاد***لا أحب أن اسمع واقرأ ذاتي***راعي الاوركسترا العالمية ميستو هو الأمير بندر بن سلطان، من السعودية***

 

لقاء: ميسون أسدي- "تفانين"

 

*قبل فترة قرأت مقالة للكاتبة السورية المعروفة جلاديس مطر ذكرت في نهايتها تعليقا على فقرات الكونسيرت الهام الذي قدمته الاوركسترا "ميستو": "لقد حولت موسيقى نبيل عزام الجميلة المكان إلى معبد قديم فيه خليط موسيقي فني شرقي وغربي محطما الحاجز بين المقدس والجميل.. هذا ما ارتكبه نبيل عزام في تلك الليلة التي لا تنسى.. لقد جلب الناصرة إلى عقر دار الغربة وتركها تغني لكل العروبة".

من هي فرقة "ميستو"؟.. في هذا اللقاء، يحدثنا الموسيقار الفلسطيني العالمي الفنان نبيل عزام، عن هذه الفرقة بتفاصيلها.. مقر الفرقة في لوس انجليس وأسمها "ميستو" وهي متخصصة في تقديم موسيقى من حضارات مختلفة. نبيل عزام قائد الاوركسترا ومؤسسها يحمل كشكوله السياسي معه بصمت معلن، والفرقة هي مدرسة فكرية استطاعت أن تكوّن لنفسها جسما حضاريا وان تبخر أي نقاش سياسي في الاوركسترا. وتضم الفرقة فنانين من اعراق مختلفة وفيها بالطبع حضور لاطياف المجتمع الامريكي العام وفلسطيني واحد وهو نبيل عزام، قائد الاوركسترا.

**الفرقة هي مدرسة فكرية

يقول نبيل عزام: نحن نعزف تحت اسم MESTO "فرقة النجوم المتعددة الأعراق" معزوفات من حضارات مختلفة.. انا لا أوحي للأعضاء بعدم التطرق الى شؤون السياسة، لقد اكرمتنا القوى العظمى بتفادي النقاش السياسي "الارضي" بل أن أي نقاش سياسي يصبح بلا معنى، يصبح في عالم النسيان.. هذا هو حال السعادة عندنا. راعي الاوركسترا هو صاحب السمو الملكي الامير بندر بن سلطان الذي يدعمنا بسبب ايمانه بمسيرتنا الفنية والحضارية.

ويضيف عزام: رسالتنا العالمية الفنية كبيرة وعميقة، طولا وعرضا ولا توجد لدينا رسالة معلنة وضيقة التفسير، نحن نحاكي الحقيقية، كما يتبحر بها الفلاسفة والمتأملون، تخطينا مراحل كثيرة، الاوركسترا تبحث عن التجديد في الموسيقى، منذ صغري وعندما عندما كنت اسمع الاوركسترات الكبيرة في العالم كان لا يبهرني الا النظام ومقدار تجاوب العازفين والقائد لمتطلبات اللحن وهذا ما نسعى اليه في اوركسترا ميستو وهو الاداء المتقن لما فيه خدمة الموسيقى التي نعزفها ايا كان مصدرها مصرية ام لبنانية ام تايوانية.

عندما تسمعين فرقة ميستو وهي تعزف موسيقى عبد الوهاب-مثلا- التي لحنها لوردة، فستقولين في سرك: هل هؤلاء أمريكان؟ لا يوجد حاجة للتعريف عن أنفسنا، نحن نعزف موسيقى جيدة، وجوهرعملنا يجعل انتاجنا متعة في صياغته وتوزيعة الجديد.

 

**تجديد الموسيقي شرعي

يعلق عزام: نحن في الاوركسترا نقوم بتوزيع الاغلبية الساحقة من اعمالنا لتستجيب وتكوين الاوركسترا، فمثلا عندما نأخذ لحنا من اسبانيا او من اليونان الخ نقوم بتقديمه بشكل يحافظ على طابعه الاصلي بشكل دقيق مع ادخال اللمسات الخاصة بالاوركسترا اما عن طريق التوزيع الآلي أو الإضافات الاخرى. مثلا عندنا معزوفة اسبانية ادخلنا عليها تقاسيم للكمان ومعزوفة امريكية ادخلنا عليها ايقاع عربي بالطبلة والرق الخ والامثلة كثيرة وهذه هي بصمة الاوركسترا ميستو.

لقد أصبحنا في الفرقة في مرحلة مباركة وجميلة، ملحنونا وموزعونا يستوحون أعمالهم من الكيان الذي اسمه "ميستو"، على غرار الملحنة الأمريكية "ستيفاني بانيت".. عندنا مثلا عازفة فلوت (ناي) مهمة في الفرقة وأحبت ان تعزف صولو، فطلبنا من ستيفاني ان تلحن معزوفة جديدة فاستوحت جوها من "ميستو" ولحنتها لـ (7) آلات ناي التي ادتها "لورا هالاداي" في الكونسيرت هذا العام. هذا بالإضافة للملحن "مايمون ميلر" "وجوزيف شمعة" والموزعون امثال الموزع العربي من سوريا "كريم رستم"، الذي قام بتوزيع "لونغا كرد" لجميل عويس وهي مصرية قديمة بتوزيع جديد للاوركسترا والموزع العالمي "شيلي كوهين" وغيرهم من كادر الاوركسترا.

** لماذا الاوركسترا

استخدام الاوركسترا الكبيرة في عزف الموسيقى العربية هو امر ليس بالتقليدي، وهذا موضوع وقع به الكثير من الموسيقيين لانهم استعانوا فقط بكثرة الآلات، مما جعل هذا الجسم الموسيقي عبارة عن تخت موسيقي كبير لا تجديد فيه الا العدد. الكثير من روائع عبد الوهاب كانت تؤدى بعشرة عازفين فقط، فالكثرة ليست بالضرورة "تجديدا" الى الافضل وهذه نقطة نعرفها جيدا. نحن نقوم بتوزيع الالحان للاوركسترا بشكل حذر.

الظاهر ان الجمهور العريض احب هذا الشكل من تقديم الموسيقى العربية بواسطة الاوركسترا فتراه يقدم على حفلاتنا بشوق كبير. اما الجمهور ففيه من جميع القوميات والعرب الذين يقبلون على حفلاتنا فهم من جميع الدول العربية بلا استثناء. والجميل هو ان ترى بعض الناس يلبسون اللباس التقليدي ومن ضمن ذلك ايضا الحجاب ونحن نرى ان هذه ظاهرة ايجابية من جمهورنا.

**تخطيت الأنا في فني

كل شخص لديه أنانيته، ولأني أنشد الأمانة والتفاني في العمل، وجدت أن أنانيتي تقف في طريقي بعض الاحيان، لذلك قررت  أن أتخطى الأنا في المشروع الحياتي. وهذا ليس بالأمر السهل.

تقوم الاوركسترا بنشر مشروع حضاري بواسطة الموسيقى في أمريكا وفي أرجاء العالم، ولست افاخر بأن هذا مشروعي، فلو أن الذين يعملون معي ليسوا مؤمنين بما نقوم به، لما استطعنا الاستمرار في هذا الاتجاه، توحدنا نحو هدف حضاري وثقافي أكبر من المشروع المادي المحسوس في مسيرتنا.

**عرضنا البكر في الأردن

كان أول كونسيرت لنا خارج أمريكا في الأردن من خلال مهرجان جرش ولاقى نجاحا باهرا، وبعدها في مصر في مهرجان الموسيقى العربية.. وفوجئنا بتقدير لم نكن نتوقعه أو نحلم به.

صديقي الشاعر الكبير سميح القاسم شد انتباهه تركيبة الاوركسترا الاممية الحضارية والمحتفة في عرضها للموسيقى حتى انه بعد ان انتهت الاوركسترا من عزفها وقف تقديرا لمستوى العزف ووقف معه الجمهور في عمان في صيف 2007 وانا فخور بهذا التقدير العزيز من شاعر بهذا الحجم.

وفي مصر العظيمة، الدكتورة الشهيرة "رتيبة الحفني" قالت على شاشة التلفزيون ضمن برنامج الاستاذ مفيد فوزي: إيه العظمة دي، يا ريت عبد الوهاب مازال حي ليسمع موسيقاه تؤدى بهذا الشكل الرائع.

الدكتور احمد حمدي- مدير معهد الموسيقى العربية في القاهرة، عندما سمعنا قال: يا ريت تبقوا هنا علشان الشباب المصري لربما يهتدي ويسمع الموسيقى العربية تعزف بهذا الشكل الراقي.

ويضيف عزام: قبل أسبوعين كنت في دبي زرت ابني سليم وهو يعمل محام هناك، فقمنا ببعض الاتصالات مع وزارة الثقافة في أبوظبي، وهناك تفكير لجولة عروض.. في تلك الزيارة ذهلت من الموقع الذي احتلته الإمارات، لقد كسروا الفكرة السائدة عن عروبتنا واثبتوا أنهم أصحاب رؤية، فهناك عمار ونظافة والفنادق أضخم وأنظف من أمريكا، عندهم اكبر عمارة واكبر مول في العالم وعندهم أمان، لا تشعره في الكثير من عواصم العالم... عمران ثقافة وأمان وفكر..

 

في بيروت في حفل تكريم صباح ووديع الصافي

يتذكر عزام ويقول: في نهاية شهر ايار كنت في بيروت، واستقبلني صديقي البروفيسور إيلي كسرواني، وهو خوري، ومن السيارة اتصلت بالفنان الكبير الياس الرحباني وقلت له أني وصلت بيروت وانا في طريقي من المطار فأخبرني انه ستكون في المساء حفلة لتكريم وديع الصافي والفنانة صباح بدعوة من وزير السياحة الاستاذ ايلي ماروني وباختصار اشتغل شوي الاستاذ رحباني لتوجيه الدعوة لي... فكنا في الساعة الثامنة في كازينو لبنان، وجلسنا على طاولة صباح ووديع وانبسطنا وكانت مناسبة جميلة أن أراهم، وأنا اعرفهم من لوس انجليس وقابلنا الفنانين حسين صادق وطوني خليفة وغسان صليبا وكارلا بطرس وجوزيف عازار وغيرهم وتربطني بالفنان طوني حنا صداقة متينة، وهو يزروني في لوس انجليس.. ذهبت إلى بيته تناولت الغداء وارتحت عنده وسرحنا قليلا في ضيعة "معاد" وهو فنان ذو شخصية مميزة ومغرم بالفلاحة والحرية، ولا يحب أن يقيده احد.

زهور فلسطينية في الحقل الموسيقي

*ماذا تقول عن الفنانين ال"محليين"؟

-هناك أسماء فلسطينية لامعة في مجال الفن الموسيقي أمثال سيمون شاهين والثلاثي جبران وإبراهيم عزام وسليم عبود والملحن بشارة الخل وغيرهم... أنا مواكب كل زهرة في هذا الحقل الموسيقى وهذا شيء مبارك وافتخر به وممكن أن أسلط الضوء على كل هؤلاء الفنانين، فهذه البركة لا تنبع من قرار عفوي أو رئاسي، التاريخ هو الذي يخمر ويبلور الناس، محمود درويش، سميح القاسم، هم خلاصة وتخمير الشعر، وخرجت منهم هذه الزهور وعندنا مطربون كثيرون لا يكمنني ان اذكرهم لكي لا انسى احدا ومطربات ممتازات كان لي تعامل فني مع بعضهن مثل  دلال أبو آمنة التي ظهرت مع الاوركسترا "ميستو" في القاهرة وعمان ولوس انجليس وابدعت في القاهرة كما في لوس انجليس.  فيوليت سلامة ولبنى سلامة وانا اقوم الان بتلحين عملين لدلال ولبنى.

وهذا لا يكفي، فأنا أحلم بأن يكون معهد موسيقي وفرقة موسيقية في كل حي من احياء الناصرة.

روما ونيويورك "مش أحسن" من الناصرة

ويضيف معلقا: أهل الناصرة يتذمرون من وضع البلد، فأقول لهم: روما ليست أحسن من الناصرة، القذارة في نيويورك في كل زاوية، وأنا أشهد أنني منذ أن خرجت من الناصرة قبل حوالي ثلاثين عاما، حصلت في الناصرة أعمال جبارة الشوارع والعمران رغم وطأت الممارسات العنصرية من الحكومات، الناصرة لؤلؤة تحت رعاية البلدية الشريفة ورئيسها رامز جرايسي الذي اقول عنه انه "رئيس البلد" وليس رئيس البلدية، حركة السير أصبحت مقبولة، والسوق القديم رائع وجذاب والزخم الثقافي مبارك ومشهود له فقط علينا ان نرى ما حولنا من بركة ونبتسم كل يوم.

**لم أتنصل من ميولي السياسية

أنا إنسان مؤمن واعرف ما لي وعلي، في 9-11 كان لدينا تمرين للفرقة في نفس اليوم حيث لم نلغ التمرين لا بل بالعكس فتحت أبواب قاعة التمرين ولم أشعر أننا قمنا بأي خطأ، ولم نشعر بالذنب، عيننا مفتوحة على وسعها. لم استطيع النوم في الليل إذا أردت أن اتبع الموسيقى وأتنصل من ميولي السياسية.

قبل أن اخرج من الناصرة تائها بين عجلات الفن والسياسة، فتحت أمامي عشرات المناسبات للشهرة، ورفضتها لأنها مبنية على مصلحة سياسية خاطئة، وعلى تمرير برنامج سياسي معين، وغيري أخذها تحت شعار لا احبه وهو السلام عن طريق الموسيقى الخ.

**قائد الفرقة الفلسطيني

القائد له ميزة خاصة، يكفيني فخرا أن المصريين واللبنانيين والسوريين والعراقيين يقولون بأن "عزام هو واحد منا" وهذا ما لمسته وأنا خاشع أمام هذا الحب والتقدير، أنا لا اعمل هذا لكي يرى الأمريكاني أن هناك شيء اسمه فلسطيني وأولا وقبل كل شيء فأعضاء الفرقة الـ (45)، لا حاجة بأن اذكرهم أنني فلسطيني.. الفكرة المؤسسة على مبادئ ايجابية هي التي تغذي العمل.

**أعيش في حالة عشق دائم "من غير ليه..."

أنا متزوج وأعيش حالة عشق دائم، وزوجتي هي ايضا صديقتي، وهي نصراوية "قح" وتحب البلد وإنسانة عملية.. وعندي ابنتان وولد: فيروز وسليم ونورا، نورا ولدت في أمريكا، الموسيقى التي تسمعها لعبدالوهاب وام كلثوم ولناظم الغزالي ولفريد لعبد الحليم مع أنها أمريكية، وأسست النادي الفلسطيني/ اللبناني في جامعة "سانتا بريابرا"، وهي في طريقها إلى الخطوبة.. سليم يعزف عود ويتمتع بموقف فني وهو محام يعمل في الإمارات، وفيروز تزوجت وابنها الثاني على الطريق.

لا يوجد أي امتياز بأنني أسافر إلى الدول العربية، أتمنى لو تفتح الطريق في وجوه كل عرب الـ  48 (اما لقب مضحك!) فأنا أتحسر، لماذا أسافر على الجواز الأمريكي وممنوع عليهم زيارة الوطن العربي.

**كمنجاتي منذ جيل ثمانية سنوات

البيت الذي ينشأ به الإنسان مهم جدا وكل ابحاث العالم تؤكد هذا الامر، كان أبي وأمي (سليم وفيروز عزام) يحبان الموسيقى والفن، وهما من وجهنا، زرعا بنا حب الموسيقى، ولو لم أحب الموسيقى، لما سرت على هذا الدرب، أنا كمنجاتي، من جيل (8) سنوات، كنا عائلة ميسورة الحال، والدي كان مصورا صاحب "فوتو نبيل" الذي كان لفترة طويلة إمبراطورية في التصوير وبقي الستوديو يعمل حتى قبل سنتين، عرسان من دير الأسد والجليل والمثلث كانوا يأتون إليه لالتقاط صورهم. هذا كان في فترة ما قبل التصوير الرقمي الذي غير مجرى تاريخ التصوير...

 إخوتي يتعاطون الفن بأشكاله، "نبيلة" (ام جريس) مدرسة موسيقى في دار المعلمين "نائلة" (ام الياس) تخصصت بالفلكلور الفلسطيني على أشكاله، و"ناهدة" (ام جميل) مصورة، وأخي "حليم" (ابو فراس) طبيب جلد، يعزف عود بشكل جيد. وهناك عائلة كبرى فلسطينية تمتد جذورها في اركان الارض وتلامس جذور كل الاعراق والمسألة لا يعلم بها احد لان سكان الارض مشغولون بامورهم اليومية المحسوسة...

**صديق الهاتف وشركات الاتصال!

اختصاصي التلفون، الفنان صديق لشركات الهواتف واختصاصي التواجد مع أصدقائي على مدار الساعة، أي لحظة فراغ في حياتي عندي صديق "صاحي" أتكلم معه، لا استغنى عن التلفون، ابعث برقيات وصور ولا أتوانى عن استخدام اي واسطة اتصال على الكومبيوتر، وعلى الأقل ساعة مكالمات دولية وأتكلم مع الناصرة كل يوم.

**القراءة كالرمش

القراءة بالنسبة لي كرمش العين.. أحب الكتاب، وكل من يعرف الكتابة، اقرأ كتبا عديدة، مقالات وتحليلات، أتصحف كل الجرائد والمجلات، وأنا جسم حي عندي ردة فعل لأي قصيدة أو مقال، عندما اقرأ كتابة جيدة، اتصل بالكاتب وأهنؤه. واحب الشعراء بشكل خاص...

**الاخلاق اولا!

هذا ليس شعارا فقط انما هو في الحقيقة اسلوب حياة بالنسبة لي ولنهج الاوركسترا "ميستو" التي تطلب من اعضائها الالتزام بدرجة كبيرة من الاخلاق المهنية. اه نسيت ان اقول بان من يستمع الى الاوركسترا لا بد وان يلاحظ كفاءة الموسيقيين ويلمس—بشكل او باخر—سمو اخلاقهم وحبهم للموسيقى. فلنسمع اذا.