* القانون عماد وأساس أي مجتمع قائم، لكن المشكلة تبقى في نوعية القانون.

* علينا التوصل لمعادلة توفق بين التطور العصري للمرأة وقيم مجتمعنا المتعارف عليها.

 
 

 

حاوره : زياد شليوط

 

موقع شفاعمرو: دعنا ننتقل إلى مشاكل وقضايا طلاب المدارس، اليوم نلاحظ تزايد توجه الأهل إلى المدارس خاصة لقسم الاستشارة والمتابعة النفسية حيث وجدت ، فما هي أسباب هذا التوجه برأيك ومن خلال تجربتك في المدارس؟

د. زياد: هناك نوعان من التوجه ، توجه الأهل النابع عن مشاكل دراسية وتعليمية لدى أبنائهم، وتوجه من المعلمين النابع عن مشاكل سلوكية لدى الطلاب.

كثير من توجهات الأهل يكون ظاهرها الابن لكن تلك التوجهات تتعلق بالأهل أنفسهم أيضا. في السابق كانت المشاكل الاجتماعية- النفسية من ضمن صلاحيات رجال الدين ، عندما لم يتوفر مختصون أو مهنيون في الموضوع.

أميل إلى الاعتقاد إلى أن المشاكل النفس- اجتماعية ازدادت في مجتمعنا في السنوات الأخيرة، وكثير من الأمراض التي تبدو في خارجها جسمانية تعود إلى أسباب نفسية وهذا ناتج عن الضغط الذي يعيش في الإنسان في وقتنا.  في الماضي كان نمط الحياة في مجتمعنا يميل إلى الهدوء ، الوقت كان مريحا ومفتوحا ، كانت لدينا أوقات لزيارة الأقارب والأصدقاء بشكل مريح دون النظر إلى الساعة أو الاتصال الهاتفي المسبق. كان هناك وقت للعلاقات الاجتماعية ، كنا مفتوحين على بعض وصريحين ، والضغوط كانت خفيفة.

عاصرت المجتمع الأوروبي المضغوط ورأيتهم يعالجون حالتهم بعدما عرفوها. نحن اليوم نمر في مرحلة مشابهة وهي مرحلة الضغط، كلّ منا مضغوط وله أجندة خاصة به ويحمل مفكرة . تلك الضغوط الاجتماعية- النفسية خلفت مشاكل اجتماعية وتربوية وعائلية. تطور المرأة المستغل سلبيا خلف أزمات بين الأزواج ويتم علاجها بطرح شعارات وأفكار أيديولوجية وليس بطريقة عملية ناجعة ، ويسرع البعض إلى وضعك ضمن مقياس معين إذا عبرت عن رأيك. يجب أن نتوصل إلى معادلة للتطور العصري للمرأة وبين القيم التي نشأ عليها مجتمعنا وكونت هويته وعناصر وجوده.

المهم في الأمر أن نعرف كيف نصفّي ( من مصفاة) أو نغربل تلك القيم والعادات لصالح مجتمعنا وعصرنا.

اليوم يتجه الحل إلى وضع جميع المشاكل في إطار المشاكل  النفسية وذلك في خطوة لتبرير البحث عن راحتنا ، الكل يعزو مشاكله إلى أسباب نفسية وشخصية ووراثية ( هكذا أنا) ، وتلك محاولة تبريرية نفسية ، ويجب برأيي أن نعالج مشاكلنا عن طريق الطرح الكلي.

 

موقع شفاعمرو: تحدثت عن تأطير الأشخاص بناء على أرائهم، هناك مشكلة اليوم داخل البيت ، تتمثل في مدى حرية الأبناء وإذا ما اعترض الأب على أمر ما يتم " تأطيره" على أنه رجعي أو غير عصري، هل من الصواب منح الأبناء الحرية التامة وعدم فرض قيود معينة عليهم ، هذه ورطة للآباء في أيامنا ، إنهم في حيرة كيف يتصرفون مع أبنائهم؟

د. زياد: قبل 40-50 سنة صدر في فرنسا كتاب بعنوان " الحب وحده يكفي" ، وبعد 25 سنة صدر كتاب مضاد له بعنوان " الحب وحده لا كفي" ، ونتساءل هل يكفي الحب لوحده في تربية الأولاد أم لا؟ لا يوجد مجتمع قائم ومتماسك دون وجود قانون. القانون عماد وأساس وجود أي مجتمع ، وتبقى المشكلة نوعية القانون.

الوصايا العشر هي قانون إلهي وديني مبني على عدم الخروج عن اللاءات المرسومة فيه ( لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور ...) وهذا القانون سارت بموجبه البشرية منذ 4000سنة لكن لم تتقيد به ، وأعمال القتل لم تتوقف وغيرها من الممنوعات. اجتماعيا وتربويا لم يعد يكفي وجود ذلك القانون ، يجب أن يتوفر إلى جانبه قانون انساني قابل للحوار.

يجب توفير الحق للولد بمناقشة الأمور، وهذا يتطلب جهدا كبيرا من الأهل . هذا يؤدي إلى مفاوضات داخل البيت وشرح . يجب أن نتعود على طريقة لهضم القانون . والقانون يجب أن يتفق عليه منذ الولادة.

علم النفس التحليلي يعتبر الأب ليس قانونا فقط انما رمز للقانون. المرأة / الأم أخذت  الدور التربوي من الأب / الرجل ،وهذا الدور هو أحد متطلبات هوية المرأة ومساواتها ، واليوم نلاحظ أن 99% من التوجهات للمدرسة تقوم بها الأم وليس الأب ، فقد تحولت الأم إلى مسؤولة أولى عن تربية الأولاد داخل البيت. هذا الأمر أثر على نفسية الأبناء ، أي فقدان رمزية الأب ، فهل يجب أن نكون مجتمعا أبويا أم أمويا ( من أم)؟ أم أن نكون مجتمعا مشتركا ( ثنائيا) في المسؤولية ؟ هل النفسية الأولية للإنسانية بشكل عام في أن يبقى الأب رمز القانون ، هل هو مكتسب أم موروث اجتماعي؟

السلطة الدينية قائمة على السلطة الأبوية. الأب بدأ يفقد الرمز السلطوي لحماية القانون في البيت. وهذا الأمر انعكس على المعلم والمربي في المدرسة ، بل وانسحب عليه. يمكننا القول اليوم  وبكل تأكيد أن أجدادنا كان لديهم الفن التربوي في التعامل مع الأبناء ، وهذا ما نفتقر اليه اليوم بين آباء هذا العصر. لقد تخلى آباء اليوم عن الرمز الأبوي وعن النمط الديني المتنور ، وتمسكنا بالأصولية في بعض الأحيان.

 

موقع شفاعمرو : إذا كيف نلخص مشكلتنا كمجتمع مع التوجهات التربوية لنخلق مجتمعا متوازنا؟

د. زياد: مشكلتنا الأساسية اليوم تكمن في الهوية ، من نحن إلى أي مجتمع ننتمي ، من أين جئنا، إلى أين نحن ذاهبون؟ هذه إحدى أهم المشاكل التربوية . فقدنا الاهتمام بتاريخنا وحضارتنا المتحركة والمتطورة بما تحويه من تعددية وحضارات متتالية ، وديانات مسيحية وإسلامية وحتى يهودية.

نحن نحتاج لمشروع تربوي ، وهذا ما لا تستطيع القيام به المدارس الرسمية وما لا يمكن أن نطلبه منها. لذلك تقع على عاتقنا ، مؤسسات وأفراد ومهنيين وضع ذلك المشروع وهذا يتطلب منا وقتا كافيا ، لكن يجب عدم تأجيل البدء في المشروع.

نحن نريد من أولادنا أن ينجحوا نجاحا ماديا ملموسا ، ويجب علينا تغيير هذا الطرح. علينا أن نطلب من الابن أن يكون إنسانا اجتماعيا ، أن يكون مرتاحا ، فهذا الجيل غير مرتاح.

نحن كشعب وأفراد ليس لدينا مشروع حياتي ، مشروعنا ينتهي بعد 25 سنة ، بعد أن نرى هل نجح ابننا في التعليم أم لا ، وهل نجح في عمله أم لا . علينا أن نولي الناحية الإنسانية اهتماما أكبر في التربية ، أن نقيم حوارا مع أبنائنا ، أن نزودهم بالمعرفة ، أن يعرفوا الالتزام بالقوانين الأبوية ، أن يتم  وضع تعريف دقيق لدولار الأب والأم في البيت. إعطاء الابن صيغة معينة ليسأل السؤال وأن تكون لدينا الجرأة للجواب.

 المشاكل العائلية والأسرية في ازدياد مقلق ( الطلاق ، العنف، المخدرات) ، وإذا لم تعرف كيف ترمي بنفسك للأمام فلن تتقدم أبداً.

 

موقع شفاعمرو: الحوار معك طال وتشعب وتطرقنا لجوانب مختلفة في قضايا وأزمات مجتمعنا التربوية والنفسية ، لكننا لم نوف تلك الجوانب حقها ، وتبقى هناك تساؤلات وأسئلة ربما نعود لها ، ونود أن نشكرك على هذا اللقاء المميز والخاص ، ,أن نتمنى لك التوفيق في عملك.

د. زياد: أشكركم بدوري على هذا اللقاء وأي لقاء لن يوفي المواضيع حقها، وأنا بدوري على استعداد للإجابة عن أي سؤال يصل لموقعكم في القضايا التي تطرقنا إليها .