صفحات من تاريخ البلاد

 

مقتبسة من كتاب "تاريخ الناصرة" للقس أسعد منصور

 

رأيت وأنا أراجع قراءة كتاب "تاريخ الناصرة" للقس أسعد منصور أن أقتبس بعض أخبار الأيام العصيبة الماضية، وبعضها سمعتها من والدي، تلك الأيام التي عاشها آباؤنا وأجدادنا والتي عفا عليها الزمن وكاد أن يلفها النسيان بعباءته، للتذكير بها، وان كانت سوداء قاتمة، ولتعريف الأجيال الشابة ببعض ما كابده أهلونا وأهلوهم في هذه البلاد وما مر عليهم من مصاعب ومحن وحروب وأمراض تفشت، وكوارث طبيعية نزلت في ساحتهم، كي لا يضيع تاريخ هذا السلف الصالح وتمحوه رياح الزمن، وكي لا يظن البعض بأن هذا العيش الرغيد الذي يرتعون فيه الآن قد هبط عليهم من السماء فانغمس بعضهم في حياة الترف واللهو ومارس سلوكيات "أبناء الأثرياء" في شوارع (بلاد التخمة!!) التي يندى لها الجبين خجلا!!... بينما كان آباؤهم وأجدادهم، منذ زمن ليس ببعيد، يعانون من الجوع والأمراض الفتاكة وبعضهم كافح هذه الشدائد ليبقى حيا ليصل أبناؤهم إلى هذا النعيم!!... ولا تزال بعض القصص "الواقعية" الأليمة التي تقشعر لها الأبدان والتي رواها لنا كبار السن، وبعض الصور الرهيبة عن تلك الأيام، التي رسمها من نجا من براثن الجوع (ومنهم من قضى نحبه) عالقة في الأذهان!!... علّ من يقرأ هذا التاريخ من شبابنا يجعله حافزا له وسلما للارتقاء إلى أعلى قمم المجد احتراما وإحياء لذكراهم...

وان كان هذا الوصف لأحوال البلاد في تلك الفترة يتركز في معظمه حول الناصرة وقضائها إلا أنه ينطبق في كثير من الأحيان على معظم أنحاء فلسطين وبعضه متداخل مع تاريخ سوريا ولبنان الجارتين الشقيقتين يوم كانت هذه البلاد، تدعى بالبلاد  العربية السورية...

القس أسعد منصور

أما القس أسعد منصور فهو من سكان شفاعمرو أصلا ومن مواليد عام 1862 توفي والده سنة 1879 وكان ملاكا كبيرا ومن كبار فلاحي شفاعمرو... اشتغل بالفلاحة، مثل أكثر أولاد القرية، ليساعد والده مما حرمه من التعليم... ولكن تعطشه للعلم دفع به الى مدرسة الشبان الانجيلية في القدس وقضى فيها أربع سنوات تخرج على اثرها معلما ثم رسم قسّيسا في سنة 1899 وعين في يافا الى أن انتقل الى الناصرة سنة 1905 وقضى فيها 19 عاما وأمضى كل هذه المدة دارسا لتاريخها وباحثا في أحوالها بحثا دقيقا الى أن انتهى من وضع كتابه القيم "تاريخ الناصرة" في عام 1924 ويعتبر مرجعا تاريخيا هاما لكثير من الأحداث الهامة دوّنها في كتابه هذا وحفظها لنا من الضياع وهذه مقتطفات مما وصفه لنا:

 

الحرب العالمية الأولى وآفة الجراد

لم تكتف البلاد بما حل عليها من مصائب وويلات وظلم وجور على يد الأتراك العثمانيين طيلة مدة حكمهم وما أصابها من جوع ومرض وجهل وأوبئة كالكوليرا والطاعون أودت بحياة الآلاف من الناس حتى نشبت، في ظل هذه الأوضاع الرهيبة، الحرب العالمية الأولى عام 1914 بين تركيا وألمانيا من جهة وبين فرنسا وانجلترا من جهة أخرى انضمت إليهم أمريكا في نهاية الحرب... وسيق الشباب العربي من كل أنحاء الإمبراطورية العثمانية إلى الجندية في صفوف الجيش التركي قامت على إثرها مناحة في كل قرية تقريبا، وقد علمتهم الأيام والتجارب التي مرت عليهم في حرب "اليمن" وفي حرب "الترعة" وغيرها، أن الذاهب إلى الحرب مع الأتراك لن يعود حيا!!...

وفي أوائل نيسان من عام 1915 أي بعد أن اشتعلت الحرب العالمية الأولى بسنة واحدة فقط، وبالإضافة إلى طامة هذه الحرب الكبرى وشظف العيش، غزا الجراد البلاد، فانتشر الطيّار منه  في سمائها حتى حجب أشعة الشمس (وكان أن جاء جراد قبل هذه الغزوة سنة 1854 وأحدث خرابا كبيرا) وبينما كان أذاه قليلا في البداية إلا أنه لم يلبث طويلا حتى غرّز وسرّأ (باض) في الأرض وفقّس في أواسط أيار...

ومما ذكره والدي في هذا الصدد بالإضافة إلى الوصف المذكور أعلاه، أن الأهلين في البداية، كافحوا من تلقاء أنفسهم وبوسائلهم البدائية وقبل أن تتدخل الحكومة في الأمر، غزوة الجراد الأخيرة هذه (التي جاءت في أيامه وكان معاصرا لها)، بطريقة "التطبيل" أو "الطقطقة" على صفائح التنك، التي كانت تحدث ضجيجا، علّه يهرب، وخصوصا الطيّار منه، قبل أن يغرز في الأرض ويفقس وساعتها تصعب إبادته...

"وفي 22 أيار هاجم الزحّاف المدينة (الناصرة) وبقية قرى المنطقة أولا من الغرب ثم من كل جهة ودام فيها، بين الكثرة والقلة، إلى 20 حزيران حيث تحول إلى طيّار وأكل البقية الباقية من كل خضرة الأرض... لم يرو أحد من الشيوخ أنه رأى أو سمع مثل كثرة الجراد هذا!!... فكانت السطوح والأشجار والأحجار والطرق مكسوة به، طبقات فوق بعضها، وكان الناس يسيرون في الطرقات يكسوهم الجراد مما يتساقط عليهم من الحيطان ومما يصعد عن الأرض من تحت أقدامهم التي كانت تغور فيه إلى ما فوق الكاحل!!... ودخل البيوت والمخازن والدكاكين من الأبواب والثقوب وأتلف كثيرا من محتوياتها وأقفلت بعض الكنائس أبوابها أما الكنائس التي جرت فيها العبادة وضعت شبابيك معدنية على نوافذها ووضعوا عمالا على أبوابها لمنع دخوله واشتد الحر في أوائل حزيران فضاق الناس ذرعا بهذا الأمر، فلا هم قادرون أن يفتحوا منافذ البيوت ولا هم قادرون أن يقفلوها وأضف إلى ذلك تصاعد رائحة نتن الجراد الميت فكنت ترى الناس يسيرون في الشوارع وفي أيديهم مناديل معطرة أو صررا عليها قطران أو كربوليك فكان كرب شديد وضيق على كل نفس من كل وجه"...

"ولقد اهتمت الحكومة للأمر فيما بعد وفرضت على كل إنسان في القصبة والقضاء إحضار كمية معينة من سروئه (السرؤ بيض الجراد) فأخذوا يقلعونه من مغارزه ويقدمون ما يطلب منهم ويبيعون ما يزيد لمن لم يقلع وعينت الحكومة وكلاء لاستلامه وإعدامه، وعند ظهور الزحاف فرضت أيضا على كل فرد كمية معينة وكانت أكبر من الكمية الأولى... كان قلع سروئه وإعدامه خير وسيلة لإهلاكه أو لتقليل أذاه وقد ذهب كل هذا سدى لأن الوكلاء لم يكونوا أمناء ولم يبذل كل الأهالي كل الجهد المطلوب منهم ولم يفعلوا ذلك لا في الحالة الأولى ولا في الحالة الثانية...

ومن الجدير بالذكر أن الجراد لم يأكل الخروب والصنوبر والسرو الا حينما أقام طويلا وعندما لم يجد ما يأكله سواها... وقد زرع الأهالي بدلا مما أكله الجراد من موسم الصيف بطيخا وشماما وندر أنهما أخصبا مثل تلك السنة وقد ماتت المواشي التي رعت على اثر الجراد خصوصا المعزى وصار مح بيض الدجاج الذي أكل الجراد أحمر كالدم!!...

وفي 15 تشرين أول من نفس السنة أمطرت السماء وسما كاملا إذ لا يكون الوسم عادة قبل أوائل تشرين ثاني إذ يصادف ذلك ما يسمى عيد لدّ (نسبة إلى مدينة اللّد) في 16 تشرين ثاني غربي ومن أمثال الفلاحين في ذلك الوقت قولهم "قبله بخمسة عشر أو بعده بخمسة عشر" أي يأتي الوسم وعليه يقولون "في عيد لدّ اللي ما شدّ يشدّ" أي يشدّ آلات الحراثة وكان هذا الوسم مما ندر حدوثه وقد توالى المطر كل الشتاء فلم يأت عيد الميلاد (25 كانون أول) إلا والأرض خضراء كأنها في أول الربيع وأخصبت المزروعات خصبا لم يسبق له مثيل ولكن حدث حر شديد في أوائل أيار سنة 1916 دام مدة نحو عشرة أيام فلفحها وجفف الحب في السنابل قبل نضجه"...

الزلزال

في اليوم الأول من سنة 1837 حدثت زلزلة لم تر هذه الجهات أشد منها وكان ضررها على أشده في صفد وما جاورها، ولم يبق في قرية المشهد على مدى أربعة أميال شمالي الناصرة بيت قائم... وكان بعض أهالي الرينة على المزبلة فانشقت الأرض وابتلعتهم، أما في الناصرة فكان الضرر أقل وإنما هدم قسم كبير من الدير ثم اعيد بناؤه بعد مدة وجيزة أفضل مما كان ورتب بعضهم لتأريخ هذه الزلزلة عبارة لا تزال الألسن تتداولها وهي "خربت يم" سنة (1252هـ 1837م)... وذكر طمسن في كتابه "الأرض والكتاب" أنه قتل أربعة أخماس سكان صفد وأنه ذهب إليها لمساعدة المنكوبين وان الجش لم يبق فيها بيت قائم وقد قتل في طبريا ست مئة نفس تحت الردم ومر في طريقه من طبريا بلوبية والشجرة وكفر كنا ودخل الناصرة في مساء 22 كانون ثاني وقال أن هذه الأماكن ما عدا كفر كنا أضرتها الزلزلة... (وفي شفاعمرو أوقع سبعة قتلى ودمر عددا من البيوت) ومما ذكره أيضا أن مثل هذه الزلزلة قد أصابت صفد وبلاد الجليل من قبل في تشرين أول سنة 1759...

التيفوس

أما عن مرض التيفوس (الحمى) الذي جاء في أثناء الحرب العالمية الأولى فحدث ولا حرج !!.. كان الجيش التركي في حالة يرثى لها من القذارة فكان أن ترعرعت قملة "التيفوس"، حاملة معها هذا المرض الفتاك، وهي ترتع على أبدان الجنود فحصدت، مع من حصدت الحرب ذاتها، آلاف الأرواح...

وذكر والدي واقعة معينة شاهدها بعينه يوم كان جنديا في الجيش التركي معسكرا في الشام، ابان الحرب العالمية الأولى، أن أحد الأطباء المجندين (وكان الطبيب في الجيش التركي يحمل لقب ظابط ويوضع تحت تصرفه خادم) وكان من عائلة "أبو جودة" اللبنانية قد شعر ذات يوم وقد لسعته قملة في رقبته وما كان منه إلا أن صاح "أنني هالك لا محالة" ونادى على خادمه وأوصاه أن يبلغ أهله بموته وهكذا كان فلم يمض كثير وقت حتى توفي هذا الطبيب على اثر هذه اللسعة...

الكوليرا (الهواء الأصفر)

كانت سنة 1865 سنة بلايا ومحن شديدة، تأخر فيها المطر فجاء الموسم الشتوي رديئا جدا ولكنه نجا من أنياب الجراد الذي جاء في أواخر الربيع وأوائل الصيف فجرد الأرض من كل خضرة وأفنى الموسم الصيفي غير أن الذرة عادت فأفرخت ودخل الزحاف البيوت والدكاكين حتى اضطر أصحابها إلى اقفالها...

وفي الصيف جاء "أبو هدلان" (مرض يصيب البقر) فأفنى أكثر البقر وفي الخريف جاءت الكوليرا وفتكت فتكا ذريعا وقد ذكرها كبار السن ومنهم من أرّخ لها شعرا...

وقد كتب القس زلر (Zeller) مقالا بتاريخ تشرين ثاني  سنة 1868 قال فيه "ففضلا عن بلية الكوليرا الشديدة سنة 1865 وفضلا عن ضربة الجراد المخيفة على مدى سنتين متواليتين وفضلا عن زيادة الضرائب فقد انحبست الأمطار"!!... وقال المطران "كوبت" في تقريره بتاريخ 13 تشرين ثاني سنة 1865 بأن المطر قد تأخر كثيرا في هذه السنة،  فكان الخوف من القحط شديدا ثم جاء الجراد في أيار وحزيران وتموز وغطى الأرض من غزة إلى لبنان!!... ولحسن الحظ وجد الحنطة والشعير قد قست على أنيابه ولكنه التهم كل نبت أخضر وأتى على الموسم الصيفي وأوراق الأشجار وأغصانها، والجهات التي نجت منه كانت قليلة جدا ولكن  وبعد أن أكل الجراد الذرة أكثر من مرة عادت وأفرخت، بقدرة الله تعالى "الذي لا ينسى من فضله أحد" وسط كل هذا الغضب، بعد انصرافه شرقا في تموز وأنتجت نتاجا جيدا وهي قوت مهم للفلاحين لأنهم بها  و "بالخضرة" التي زرعت بعد الجراد، نجوا من المجاعة التي كانت تهددهم"!!... ولكن كل هذا الشقاء لا يوازي شيئا بالنسبة للكوليرا التي أعقبت الجراد حالا فعم الغلاء وعدم الشغل والبلاء!!...

الطاعون

أما بالنسبة للطاعون فقد ذكر أيضا أنه تفشّى في البلاد في سنة 1842 ووقعت إصابات منه في دمشق ويافا كما أصيب نصف سكان الناصرة وكان هذا آخر طاعون دخل البلاد!!...