أحاول وأنا أكتب هذه السطور أن أكون موضوعيا قدر المستطاع في نقل وقائع أحداث عاينتها وشاهدتها بنفسي ضاع معظمها في غياهب النسيان... لعله يكون في كتابتها تذكير لنا جميعا ولربما الاستفادة واستخلاص العبر من أخطاء الماضي الجسام حرصا منا على أولادنا وأحفادنا من الوقوع بمثلها، مستقبلا!!...

في أوائل سنة 1960 تقدم رئيس مستشفى العائلة المقدسة في الناصرة (النمساوي) بفكرة إقامة مستشفى في شفا عمرو للمرحوم والدي جبور جبور الذي كان رئيسا لبلدية شفا عمرو آنذاك، وقد استحسن والدي الفكرة كون البلدة تفتقر إلى مستشفى وبحاجة ماسة لمثل هذا المشروع الذي يخدم سكان البلدة والمنطقة، أضف إلى ذلك الفائدة الكبرى التي ستجنيها من اقامته... وطلب مدير المستشفى المذكور مساعدة والدي في إيجاد قطعة ارض ملائمة لإقامته عليها وأبدى والدي استعدادا كبيرا لبذل أقصى جهده لمساعدتهم على ذلك...

وجرت مداولات كثيرة ومساعي عديدة في هذا الشأن لا مجال للدخول في تفاصيلها في هذا السياق امتدت على مدى فترة زمنية طويلة جرى خلالها استعراض عدة مواقع من الأراضي التي تصلح لأقامة مثل هذا المشروع الضخم ومراجعة أصحابها في هذا الشأن وقام السيد يوسف الدر، أطال الله  في عمره، بارشادهم الى قطعة أرض تبلغ مساحتها أربعة عشر دونما، بحسب طلبهم، كانوا على استعداد لشرائها في الحال ...

وكان أن سمع المطران حكيم بهذا المشروع وانبرى مطالبا الفاتيكان بمنحه حق إقامته له استنادا على أن البلدة المنوي إقامة المشروع فيها تسكنها رعية تقع ضمن نفوذ الكنائس الشرقية التي منحها الفاتيكان استقلالية تامة في إدارة شؤونها... ولمجرد التذكير وعلى سبيل المثال فقط فقد استطاع المطران حكيم أن يضم دير راهبات الناصرة في شفا عمرو بما في ذلك الراهبات الموجودات فيه لإدارته رغم انه كان لمدة تقارب المائة عام تابعا لمطرانيه اللاتين في الأراضي المقدسة...

وقد تمكن المطران حكيم في النهاية من الحصول على موافقة الفاتيكان وهكذا سحب مستشفى العائلة المقدسة مشروعه...

وعل أثرها قام المطران حكيم بحملة لجمع التبرعات في الولايات المتحدة لإقامة هذا المستشفى وقد علمنا فيما بعد انه أجرى اتصالات شخصية مع عائلة الرئيس الأمريكي جون كينيدي وحصل منها على تبرع اولي بقيمة 40 ألف دولار، وكان هذا مبلغا لا يستهان به في ذلك الوقت، على أن تستمر العائلة المذكورة وغيرها بتقديم مساعدات إضافية في المستقبل...

كانت في شفا عمرو قطعة ارض تقع شرقي البلدة شكلت موقعا مثاليا لإقامة مستشفى عليها خصوصا وإنها  كانت مرتفعة بعض الشيء...

وقد أعد الخرائط اللازمة لأقامة هذا المشروع عليها وتقدم بطلب إلى وزارة الصحة الإسرائيلية لمنحه ترخيصا بذلك ولكن سرعان ما أبدت الوزارة معارضتها الشديدة لإقامة مستشفى كهذا وبالتالي رفضت منحه ترخيصا الأمر الذي فاجأه وأدهشه كثيرا...

ولم تجد كل المراجعات والاتصالات التي أجراها المطران حكيم مع الوزارة نفعا رغم نفوذه الواسع في الداخل والخارج...

كانت حجة الوزارة الظاهرية أنها لا تستطيع أن تسمح بإقامة مستشفيات صغيرة في البلاد لأنها ستفتقر إلى الكفاءات الطبية اللازمة والإمكانات الكافية لتشغيلها مما يشكل خطرا على حياة المرضى... حجة تبدو في ظاهرها حريصة على حياة المواطنين وفي باطنها عدم رغبة الحكومة في تطوير الوسط العربي وإلا ما كان يمنعها من إقامة مستشفى كبير بنفسها كما تدعي؟!... ولا حاجة هنا للدخول في تفاصيل سياسة التمييز العنصري التي اتبعتها حكومات إسرائيل المتعاقبة تجاه الأقلية العربية ولم تكن المعارضة لإقامة مستشفى كهذا إلا مثلا من هذه الأمثلة... واستمر الأخذ والرد بينه وبين الوزارة دون الحصول على أي تقدم يذكر...

ومن عرف المطران حكيم عن كثب كان يعرف دهاءه السياسي والاقتصادي وبالتالي فانه لم يستسلم ولم يتنازل عن الفكرة...

وعندما تأزم الوضع توجه إلى المرحوم والدي وعرض عليه الموضوع وتشاور معه فيما يمكن عمله كما وطلب منه أن يمنحه ترخيصا للبدء في البناء وقد أبدى والدي تحمسا شديدا لمثل هذا المشروع الحيوي وقام بإعطائه موافقته المبدئية وأذن له بالعمل في الحال...

كان المال اللازم متوفرا لديه وكانت التصاميم جاهزة (وان لم تخني الذاكرة فقد قام بتصميمها المهندس رستم البستوني من حيفا وأشرف عليها المهندس الخبير زيلبرمان أحد كبار المهندسين) وأوكل إلى المتعهد المرحوم منيب الياس بالمباشرة في البناء...

وقد بوشر بالعمل على أرض الواقع فعلا وابتدأت البناية المعدة لتناسب مستشفى ترتفع شيئا وشيئا، ولكن المداولات مع الوزارة لم تتقدم وبقيت تراوح مكانها... الوزارة تصر على موقفها التعسفي والمطران حكيم  مصر على تنفيذ مشروعه...

 ولمن يتذكر منا فقد أقام المطران حكيم حفلا لوضع الحجر الأساسي لهذا المستشفى، دعا إليه شخصيات من مختلف البلاد ولفيفا كبيرا من سكان شفاعمرو وبعض الضيوف الأجانب وقام بوضع نصب تذكاري من الحجر (لا يزال قائما إلى يومنا هذا) بالقرب من المكان ويحمل اسم "مستشفى سان جون".John Hospital) St) نسبة إلى الرئيس الأمريكي جون كينيدي...

واستمر العمل في البناء دون ابطأ وعمل المتعهد بكل جهد وجد وتفاني في عمله مساهمة منه لمشروع يخدم بلده...

ووصلت المحادثات إلى طريق مسدود، وبدا التعنت واضحا في مواقف كلا الطرفين وتمادت الوزارة في عنادها واستمر المطران على إصراره ومرت سنة أو سنتان دون أن يحدث ما يشير إلى أي تغيير أو تبديل...

وكان لا بد من العمل... وكان لا بد أن يتحرك الموضوع وإلا فان المواجهة والمجابهة لا بد واقعة...

كلنا نعلم أن المطران حكيم لم يكن مناوئا لدولة إسرائيل وهو الذي تقدم بطلب للحصول على بطاقة عضوية للهستدروت أثارت انتقادا واستياء شديدا لدى أوساط عربية واسعة في البلاد وخصوصا من أبناء طائفته وقف على رأسها المرحوم والدي...

في أحد الأيام حملت لنا الأخبار نبأ تصريح  للمطران حكيم أدلى به من لندن ويطالب به عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم اهتزت له اوساط عديدة في طول البلاد وعرضها وامتدت أصداؤه لتصل الى كل أنحاء الشرق الأوسط وثارت ثائرة إسرائيل عليه، وقامت الدنيا ولم تقعد لدى سماع نبأ هذا التصريح المفاجىء وغير المتوقع عبر وسائل الاعلام وصاحبه ممن يعرفون بأصدقاء إسرائيل... ولعل حادثة المستشفى كانت نقطة تحول في مواقفه السياسية...

وعاد المطران حكيم إلى البلاد وقام بالاتصال بوالدي أول ما اتصل وأطلعه على فحوى تصريحه وتداولا في طريقة العمل مستقبلا...

كنت أعمل مديرا لدائرة الشؤون الاجتماعية في بلدية شفا عمرو وكانت تربطني علاقة عمل مع الدكتورة فرانك الطبيبة اللوائية في الناصرة ضمن القيام بتقديم المساعدة للمرضى المحتاجين في البلدة وخصوصا فيما يتعلق بالعلاج في المستشفيات...

وفوجئت في يوم من الأيام بقيام الدكتورة فرانك تطلب زيارتي في البيت ولم اعلم سبب زيارتها في البداية... ولكنها سرعان ما أفضت إلي بسبب مجيئها... طلبت مني أن أنقل لوالدي رغبة وزارة الصحة بترتيب مقابلة خاصة ومستعجلة مع المطران حكيم...

لقد كانوا يعلمون مدى العلاقة بين الرجلين... وقد شرحت لي بصورة دبلوماسية الرغبة في الحفاظ على ماء الوجه دون أن يظهر أي منهما وكأنه تراجع أو تنازل ونقلت طلبها إلى والدي الذي قام على الفور بالاتصال مع المطران حكيم وتم ترتيب موعد لهذه المقابلة...

وقد جرى على اثر هذه المقابلة اجتماع  بين المطران حكيم ومدير عام وزارة الصحة في ذلك الوقت، الدكتور جيبن Gibbin))... وقد نقل الدكتور جيبن للمطران حكيم بعض الأفكار الجديدة... كان واضحا من خلالها إن الوزارة كانت تنوي أن تتراجع عن موقفها لعدة اعتبارات...

وقد استدعى المطران حكيم والدي بعد هذه المقابلة وأطلعه على الأفكار التي عرضها عليه الدكتور جيبن...

وقد جرت عدة لقاءات بين الطرفين وطرحت وتبلورت أفكار كثيرة وقد علمت فيما بعد ان هذه الأفكار كانت تدور حول تحويل المستشفى إلى مركز طبي حديث يرتبط بمستشفى رمبام مباشرة بواسطة سيارات إسعاف تقف جاهزة لنقل كل حالة طارئة إلى مستشفى رمبام في حيفا ولما تبلورت هذه الأفكار بشكلها النهائي استدعى المطران حكيم والدي مرة ثانية للتشاور معه قبل إعطائه الجواب النهائي عليها وقد قمت بمرافقة والدي لهذا الاجتماع...

عرض المطران حكيم الفكرة وشرح تفاصيلها واذكر مما قاله: "إن هدفي هو خدمة أهل بلدكم وأنا على استعداد للموافقة على ما توافقون عليه"... وقد أضاف تفاصيل وافيةعن طريقة عمل هذا المستشفى إذ سيحتوي على عدة أقسام حيوية كأقسام الأطفال، الأنف والإذن والحنجرة والعيون والأمراض الباطنية والعظام (تحتوي كل منها على بضعة أسرة) وأقسام للتوليد وللشيخوخة والأشعة بما في ذلك غرفة للعمليات البسيطة وبالطبع لم يكن أي تفكير في ذلك الوقت لإجراء عمليات قلب معقدة كما انه كان يحوي مختبرا للفحوصات المتنوعة ولتحاليل الدم...

كما أن الوزارة قدمت عرضا سخيا كبادرة حسن نية بتزويد المستشفى بكل المعدات الطبية الحديثة التي يحتاجها على حسابها الخاص...

بالحقيقة كانت الفكرة معقولة ومقبولة وأكثر مما كان المطران حكيم يفكر فيه أو يتوقعه... كان في البداية ينوي توظيف عدد قليل من الأطباء المحليين وعول على إحضار بعض الأطباء الأجانب  من الولايات المتحدة ولربما من بلجيكا أو فرنسا...

وكانت البناية في طور انتهاء العمل فيها وقد قامت طبقاتها الأربع وتم تقسيم البناية بحسب الأقسام الطبية ومواصفات استعمالها وجرى تحضير اتفاقية كتبت باللغة الانكليزية توضح دور كل من المطرانية والوزارة وبما على كل منهم الالتزام والتعهد به والتقى الدكتور برزيلاي، وزير الصحة في ذلك الوقت، بالمطران حكيم لأول مرة بعد كل هذا الجدل الذي كان يحتد ويتأزم من مرة لمرة... وقاما بتوقيع هذه الاتفاقية وما أن وصلت الأمور إلى هذه المرحلة النهائية من الأزمة حول مستشفى شفا عمرو حتى تشاء الظروف أو الأقدار أن يرتسم المطران حكيم بطريركا لطائفة الروم الكاثوليك وينتقل ليجلس على كرسي البطريركية في دمشق الشام وكان ذلك في أوائل عام 1967 على ما اذكر...

وتتالى الأحداث أو الأقدار وتقع حرب حزيران التي أشغلت البلاد وربما العالم بأسره، مما أدى إلى تأخير تنفيذ الاتفاق الذي ابرم بين الوزارة والمطرانية نظرا لظروف الحرب وتستمر الأقدار في لعب دورها ويستقيل والدي من رئاسة بلدية شفا عمرو عام 1969 بعد أن قضى فيها 36 عاما في خدمة البلدة وأهلها وكانت مليئة بالأحداث الجسام عانى فيها ما عانى من تحامل البعض عليه مما أوصلنا الى ما أوصلنا اليه... وهكذا فقد المشروع ركنان أساسيان من أركانه وبقي مصيره مجهولا ومعلقا في الهواء...

وحل محل المطران حكيم مطران آخر يدعى يوسف ريّا، غريب الأطوار، كان إن نفض يده من مشروع المستشفى مدعيا انه انسان "روحاني"!! همه الأكبر القيام بواجباته الدينية، وكأن اقامة مستشفى ليست واجبا دينيا!!... حسبما قال لي ولوفد من أهالي شفا عمرو قابلناه لحثه على إتمام المشروع...

وقامت بعدها جهات معينة من أهالي شفا عمرو بطرح فكرة بائسة تقضي بتحويل المستشفى إلى مدرسة... لا أدري بالضبط من أين جاؤوا بهذه الفكرة وما دفع هؤلاء الناس إلى التفكير بهذه الخطة بدلا من ملاحقة الموضوع والعمل على إخراجه إلى حيز الوجود ولا سيما وانه قد شارف على الانتهاء...

لا املك الدليل على ذلك ولكن تحليل الأمور حسب تسلسلها الطبيعي تشير أن يد الحكومة كانت وراء وأد هذا المشروع الهام والكبير... كانت فرصة سانحة لها كي تتراجع وتنفض يدها من تعهد وقعته بيد وزيرها ومديرها العام...

وهكذا جرى القضاء على هذا الحلم الجميل، لا بل جرى القضاء على أمل ظل يراود أهل شفا عمرو عشرات السنين وخصوصا بعد أن أخذت بوادره تتحقق أمام أعيننا...

وجرى هدم القواطع الداخلية وبناءها من جديد لتلائم الصفوف المدرسية...

وباختصار خسرت البلدة مستشفاها وما كان سيوفره لأهلها من خدمات صحية ضرورية كان بإمكانهم ان يتلقوها في بلدهم دون أن يتحملوا مشاق السفر هم وعائلاتهم وأطفالهم إلى حيفا والناصرة والمدن المجاورة أيام الشتاء القارص والصيف القائظ أضف إلى ذلك ما كان سيوفره من فرص عمل لعشرات الأطباء أبناء البلدة وغيرهم المتخصصين والمتفوقين في مجالاتهم الطبية وللعديد من الطواقم المهنية والكوادر العاملة...

وخسرت البلدة بناء مدرستها الثانوية الخاصة بها وبقيت البناية الحالية كل هذه المدة غير صالحة لاستعمالها كمدرسة وخصوصا انه كانت تنقصها ساحة عامة يخرج إليها الطلاب الذين ازداد عددهم حتى وصل الألف...

وحرمت البلدة من مستشفاها إلى يومنا هذا!!.. والآن ونحن نسمع عن نهاية هذه المدرسة/المستشفى وإعادتها إلى أصحابها بعد أربعين سنة من المعاناة... والآن ونحن نسمع بعض أصوات أهالي شفا عمرو تتعالى وهي ترتفع مطالبة، وبحق، ببناء مستشفى في هذه المدينة، تبقى شفا عمرو، والى أن تقوم مدرسة بديلة، بلا مدرسة ملائمة وبلا مستشفى يداويها ولربما تكون الحكومة بهذا قد حققت بعضا من أهدافها المبطنة وقد نكون نحن قد ساعدناها على ذلك سواء كان عن قصد أو عن غير قصد!!...