*
الموسيقي عامر نخلة، يحدثنا عن معهد بيت الموسيقى في شفاعمرو الذي سيتحوّل في نيسان القادم إلى كونسرفتوار وينتقل إلى داره الجديدة، دار الموسيقى والثقافة* الكونسرفتوار سيكون قادرا على استيعاب 450 طالبا (بدل 200 اليوم) وعلى تقديم خدماته لنحو 400 ألف مواطن* الكونسرفتوار يدرّس الموسيقى العربية والغربية بمساعدة أساتذة متخصّصين ومجازين عالمياً* المعهد يتعامل مع الموسيقى كحق ثقافي للأفراد والجماعة* لا مساومة على المهنية والجودة ورسالتنا ردّ الاعتبار للموسيقى وفنون المسرح بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة* استعدادات لافتتاح المقرّ الجديد للمعهد تحت شعار: "للموسيقى بيت جديد" بحضور الأوساط الفنية والسفراء الأجانب ووزيرة التعليم وقيادات المجتمع*

ميسون أسدي- "تفانين"

*دائما ما كنت أسمع عن "بيت الموسيقى" في شفاعمرو فأتخيّله مجرّد مؤسسة تعنى بتنسيق المهرجانات والكونسرتات الموسيقية المحلية والعالمية. وكنت أحترم ما يقدمونه من مستويات موسيقية راقية وخاصة الفرق العالمية التي زارت البلاد بفضلهم وتعرّف عليها الكثير من محبي الموسيقى عندنا، مما زاد من معرفتنا بثقافات وإبداعات شعوب أخرى. لكن المفاجأة كانت عندما تعرفت على ما يقدمه هذا البيت، أو لنقل هذه الجمعية الرائدة في تطوير الموسيقى في البلاد وذلك عن طريق "معهد بيت الموسيقى" الذي يعمل منذ سنوات على أعلى المستويات في تدريس الموسيقى. وهو الوحيد في الوسط العربي الذي يقدم الطالب من خلاله امتحانات "البجروت" في الموسيقى. والمعهد على عتبة الانتقال إلى مقرّه الجديد والمخصص لهذا الموضوع من خلال احتفال فني كبير. عن هذا المعهد وعن البيت بشكل عام تحدثنا مع مؤسس الجمعية الموسيقي عامر نخلة، الذي سنتعرف عليه أيضا من خلال هذا الحديث..

**رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة

درس عامر الموسيقى في أكاديمية "روبين" في جامعة القدس وتخرج عام 1994 وتخصّص بالعزف على آلة الجيتار.. "تعلمت وسكنت في القدس لمدة خمسة أعوام.. درست في المعهد الوطني للموسيقى في القدس ورام الله سنة 1996 وحتى 1999 وأسست فرع الجيتار هناك وعزفت في عدة مهرجانات وعروض فردية، منها مهرجان "يبوس" الدولي وفي رام الله أيضا في مهرجان بيت الموسيقى، عزفت مع فرقة "زمار" التي كنت واحد من مؤسسيها، وشاركت بالعزف مع فنانين مثل ريم تلحمي وهند شيتي ودرّست الموسيقى منذ عام 1995 في شفاعمرو في المدرسة الأسقفية وعدة قرى مجاورة وعملت في المراكز الجماهيرية لمدة (6) أشهر كمستشار للموسيقى حتى عام 2000.

- ويضيف عامر: بعد تخرجي رجعت إلى بلدي، شفاعمرو. فوجدت أن هنالك نقص حاد في كل ما يتعلق في موضوع تعليم الموسيقى من ناحية الأطر أو حتى إمكانية دراسة الموسيقى على الإطلاق.. بدأت أدرّس الموسيقى لمدة عام وفي المركز الجماهيري في شفاعمرو.. لم يكن هناك أستاذة مهنيون. لم تكن هناك متابعة لطالب موهوب لتطوير قدراته ولم ألمس أي نية في ذلك. ولم ألمس وعياً لأهمية الموضوع وتطويره لدى المؤسسات. تشاورت مع مجموعة من الموسيقيين وكان هناك أجماع وقناعة بضرورة أن تقوم مبادرة جدية لتطوير هذا المجال. وهذا ما حدث بالفعل!! من هنا جاءت الفكرة لإقامة أطار جدي تعليمي ليوفر أمكانية تعليم الموسيقى بشكل مهني وبأعلى المستويات وليفتح أمام الطالب/ العازف، أبواب الأكاديمية والجامعات. وكان تأسيس المعهد عام 1996 تعبيرا عن رغبة في التغيير الاجتماعي من خلال الثقافة والموسيقى.

**من مبنى صغير إلى مقرّ جديد بني وفق المواصفات لمعهد موسيقي!

-يقول عامر: "أعتبر أن جودي مرتبط بوجود الثقافة وأشعر بأن تأثيري وخدمتي للمجتمع هو عن طريق تطوير الثقافة وهذه صفة ورثتها من أبي، فهو رجل أعمال ناجح، بنا نفسه من الصفر وله شركة من أنجح الشركات وهو يساهم بالكثير في المجتمع ويعتبر رجلاً معطاء، تثقفنا في البيت على روح المثابرة النجاح والتطوّر، إخوتي جامعيون ويعملون في إدارة الأعمال وأنا الوحيد من بينهم الناشط في مجال الموسيقى.

ويضيف: "بداية المشوار كانت صعبة جدا. حيث أقنعت الوالد عام 1996، بأن يعطينا مبنى صغيرا في مركز تجاري في شفاعمرو الذي هو جزء من موقف سيارات مساحته (70م) يضم (4) غرف، وفيه بدأت مدرستي الأولى للموسيقى. مع إصراري وحبي للموسيقى، رحب الوالد بالمشروع ووفر لنا المكان مجاناً دون أن ندفع تكلفة الأجرة وكان هذا بمثابة الدفعة الأولى لإقامة المدرسة وبيت الموسيقى. بدأنا أنا ومعلمون آخرون بتدريس نحو (30) طالباً، موضوع الموسيقى، بطرق وأساليب جديدة، بدأت سمعتنا تنتشر والناس أخذت تسمع وتعرف أن هناك مكاناً مؤهلاً وجدياً لتعليم الموسيقى وهناك فارق كبير بين أن يتعلم أبنك دورة في مركز جماهيري أو بشكل فردي عن طريق معلم يأتي إلى البيت بلا بداية ولا نهاية مع أستاذ غير مؤهل، وبين أن يدرس في معهد مؤهل متخصص، يستطيع أن يقوّي قدراته الموسيقية ويمكّنه من تحصيل موسيقي عملي ونظري ويبنى له مستقبلا موسيقيا. وعن طريقه يصل إلى أقصى تحقيق لموهبته بشكل علمي مدروس. بعد (3) سنوات، زاد عدد الطلاب بـ(3) أضعاف ووصل عددهم إلى (100) طالب. واليوم يعلم في المعهد حوالي (20) أستاذا يدرّسون حوالي (200) طالب في قسمي الموسيقى الشرقية وبضمنها العربية والموسيقى الغربية. ونحن في سبيلنا على افتتاح المقرّ الجديد ليتحوّل المعهد إلى كونسرفتوار عربي في دار للموسيقى والثقافة بُنيت وفق المواصفات، يقدم خدماته لنحو 400 طالب.

**الانجاز الأبرز لعمل المعهد وتتويجه.. (3) سنوات من المخاض العسير وولادة ناجحة

-العمل الدءوب والمهني من طرف المشرفين على المعهد ساعد وألزم وزارة المعارف الاعتراف بالمعهد عام 2004. وأعطت الوزارة الاعتراف بعد أن فحصت عن كثب توجّهنا المهني في العمل، بناء برامج تعليمية مناسبة وتمّ فحص الأستاذة والتأكد من مهنيتهم، وبعد مراسلات وزيارات مفتش المعاهد الموسيقية في وزارة المعارف، وفحص المناهج لكل آلة موسيقية والبرنامج التعليمي من جيل 5-18 والتأكّد من أن البرنامج يؤهل الطالب بأن يصل للجامعة، بعد كل هذا اعترفت الوزارة بالمعهد كمعهد لتدريس الموسيقى يستطيع الطالب الدارس فيه أن يتقدم لامتحانات البجروت بوابته إلى الأكاديمية الموسيقية. وكانت هذه نقطة التحول والإنجاز الأبرز في مجال تحصيل الاعتراف.

-عمل طاقم كبير لمدة (3) سنوات على بناء مناهج موسيقية مهنية مع مرافقة من وزارة المعارف، حتى صادقوا على توجهنا المهني الذي يؤهل الاعتراف بالمعهد كأول مؤسسة عربية رسمية لتعليم الموسيقى وتحضير الطلبة للبجروت. هذا ووضعت مع مجموعة معلمين مختصين بالموسيقى برنامج توصيل الطالب للجامعة في الموضوع، وأشرفت على منهج البيانو المعلمة لوبا كلينتسكي، وعلى تعليم الموسيقى في جيل الطفولة المبكرة د. كلوديا كلينشكوف، ويوسف حبيش على منهج الإيقاع وحبيب شحادة على الموسيقى الشرقية. ونأمل أننا بذلك نكون أسهمنا بقسطنا في تطوير الموسيقى والحياة الثقافية في مجتمعنا.

**صقل الهوية الموسيقية للطالب

-الطلاب الأوائل الذين اجتازوا امتحان البجروت في الامتياز بالعزف على آلات: البيانو والكمان والعود هم: مي عبود وتامر خورية وسليم سكران وسعيد سلباق ونورا حداد. تقدم الامتحانات في وزارة المعارف في تل أبيب، وعلى مستوى (5) وحدات، ويتخرج الطالب من عندنا مصقول الهوية الموسيقية، ومذوّتاً للمواد النظرية في العزف، تاريخ الموسيقى والعزف الجماعي ويصل للمستوى المطلوب و يتقدم لامتحان الدخول مؤهلاً موسيقياً، وهذا لم يكن من قبل.

"في السابق عندما نجحت للوصول لأكاديمية الموسيقى في القدس كنا (4) أشخاص وهذا كان بمعجزة ـ يقول عامر ـ لأنه لم يتم تجهيزنا وتوعيتنا موسيقياً، لم تكن هناك بنية تحتية موسيقية، ولا.. ولا... لم يكن هناك تشجيع أو فهم بأن الموسيقى ممكن أن تكون مهنة، كان التوجه للموسيقى كموهبة مع غياب أطر تستوعب موسيقيين، واقتصرت الموسيقى على حفلات الأعراس والمناسبات.

"أحد الأسباب المهمة لإقامة المعهد الذي على وشك أن نعلنه كونسرفتوار إيجاد مؤسسة تدرّس الموسيقى الشرقية وهي في صلب ثقافتنا وتراثنا. مؤسسة توفّر للدارس العربي فضاء ثقافياً يحقق به ذاته فنياً وموسيقياً. وهو ما نجحنا أن نحققه رغم كل المصاعب من خلال التركيز على موسيقى الشرق والانفتاح على موسيقى العالم من الثقافات المختلفة".

**المهنية والجودة ... ولا مساومة

يؤكد عامر نخلة المدير العام لمعهد بيت الموسيقى:"عندي إيمان راسخ ومبدأ لا أتنازل عنه، فحتى يكون عندنا ثقافة موسيقية لا يوجد مساومة على المهنية والجودة وحتى تكون هناك جودة ومهنية يجب أن يكون هناك مدرّسون أكفاء، وكلفة المدرسين المحترفين عالية والوضع الاقتصادي للناس لا يسمح لهم بالدفع وتغطية المعلمين. وهذا في تصوري هذا احد أسباب فشل المراكز الجماهيرية في نشر الثقافة الموسيقية بالإضافة إلى عدم وجود الوعي لأهمية الموضوع والتعامل معه. كما لم يكن هناك استمرار لتعليم الموسيقى وعدم المقدرة في تشغيل كادر مهني محترف والوقوف على كل الحيثيات للموضوع بشكل مثابر ومنهجي. ومن هنا جاءت الصعوبة الأساسية. فواضح لنا أن الاستمرار برفع مستوى المعهد يتطلب السعي للحصول على الدعم المالي من الدوائر ذات العلاقة. وأشير هنا إلى أن ما يدفعه الأهل عندنا هو نصف ما يدفعه الأهل في المعاهد الإسرائيلية. فمثلاً في معهد "روبين" يدفع الأهل 500 شيكل شهريا بينما يدفعون عندنا 300 شيكل! وهذا يعني أن مصادر الدخل الذاتي عندنا محدودة أو تقلّ بنسبة 45% تقريبا عن الدخل الذاتي لمؤسسات مشابهة في المجتمع اليهودي. من هنا سجّلنا المعهد كجمعية تحت اسم جمعية بيت الموسيقى. وهي جمعية تترأسها السيدة عزيزة ذياب ـ إدريس ويشارك في عضوية إدارتها المحامي ساهر مشيعل وسحر سروجي, وهي التي تشرف على عمل المعهد وأنشطته. وكان نشط في دعم المعهد أصدقاء وصديقات كثر أخذوا على عاتقهم مهمات الترويج لنشاطنا وتطويره. فور تسجيل المعهد جمعية، بدأنا بالعمل على تجنيد الموارد وإثارة الموضوع في كل الأطر وعلى كل المنابر. وطرقنا كل الأبواب التي يمكن أن تساعد مثل: وزارة الثقافة والبلدية والسفارات الأجنبية وصناديق مانحة. أكّدنا على الموسيقى كأحد حقوقنا في تحقيق ذواتنا كعرب وكحق ثقافي لنا على الدولة أن تهتم بضمانه للأفراد وللجماعة. وقد أنجزنا في الإقناع برأينا هذا وحصّلنا دعما من الجهات ذات العلاقة لا سيما وزارة التعليم وما زلنا نطالب ونسعى على تحصيل المزيد من الدعم. ولدينا أمل كبير في أن نحقق المزيد من المكاسب في هذا الباب.

منذ 1999 وحتى عام 2004 كانت هذه الفترة من أصعب الفترات، كل الوقت عمل مستمر، عمل عامر حوالي (6) سنوات بأجر رمزي، لأن الموارد ضئيلة واستطاع مواصلة التجربة مستندا إلى مصادر دخل كمدرّس موسيقى في مواقع أخرى أو كعازف في حفلات أو عروض متنوعة.

"حصلنا على مساعدة من "جنيفا تاون"، مكرّسة لتعليم الأجيال المبكرة لمدة سنتين، ومنح من صندوق "كاترين إيمز" للطلاب ومساعدات من سفارات أجنبية: السفارة الهولندية الفرنسية، الأمريكية وكلها مبالغ صغيرة، تكفي بالكاد لتمرين فرق معينة ولكن هذه المبالغ كانت المنقذ لنا وبالأساس من السفارات. ومع هذا ـ يقول عامر ـ اعتمدنا نظام المنح المالية للطلبة الآتين من أسر محدودة الدخل الموهوبين، بقيمة الثلث من القسط التعليمي. وقد بلغ مجموع ما قدمناه من منح في المجمل نحو 50 ألف شيكل في العام الدراسي الماضي. كما إننا اعتمدنا نظام تأجير الآلات الموسيقية لكل من لا يستطيع اقتناء آلة عزف. وهكذا استطعنا أن نوفر فرصة دراسة الموسيقى للعشرات من طلبة المعهد في كل عام.

**فعاليات موسيقية جماهيرية

في عام 2000، بدأنا بمهرجان بيت الموسيقى. ونجحنا خلال سنتين أن نحوله لمهرجان قطري فني واخذ اسم عالمي ونجحنا أن نُحضر فرق محلية وفرق عالمية من أكثر من (10) دول في العالم.. بدأ باسم الربيع وبعدها باسم بيت الموسيقى وعن طريقه، نجحنا أن نُقنع بأهمية التعليم في بيت الموسيقى وأهمية تطوير ودعم الطلاب العرب الفلسطينيين في الداخل وكانت كل جهة تحضر المهرجان، تزور المعهد وتقابل الطلاب وهذا أكسب المعهد سمعة طيبة ومكانة موسيقية مرموقة". وقد عمل المعهد على مستويين، الأول: تعليم الموسيقى نظرياً وتطبيقياً بأعلى المستويات، والثاني: تنظيم أنشطة موسيقية ومهرجانات بمستوى دولي مع إفساح المجال لموسيقيين محليين بالانخراط في النشاط الموسيقي القطري والدولي. إذ رأينا كيف إن موسيقيين محليين انضموا لعروض فرق أجنبية هنا وفي الخارج من خلال أنشطة بيت الموسيقى.

يوجد في المعهد عدة فرق، منها: الأوركسترا الشابة، التخت الشرقي، فرقة الإيقاع- التخت الشرقي هي كلمة تركية بالأصل، تعني القالب الموسيقي الشرقي الأصلي والذي يتكون من: العود، القانون، الناي والإيقاع بالأساس، كذلك أدخلت الكمان لاحقا.. والطالب يأخذ ساعة في الأسبوع نظريّات وتاريخ الموسيقى وعادة من صف ثامن نقرر إذا كان بمقدور الطالب أن يتقدم للبجروت أم لا. في حالات خاصة جداً ننتظر للصف العاشر وفي صف الـ 12 يتقدمون لامتحان البجروت بنجاح، الامتحان عملي، وهناك تُقدّم لوزارة المعارف ونحن نعطي العلامة الواقية في المدرسة.. إذا، الطالب يأخذ ثقافة موسيقية شاملة ويتم صقل موهبته الموسيقية بالكامل وهذا الأمر لم يكن موجوداً في السابق.

يشار إلى أن جمعية بيت الموسيقى تعكف الآن على إنجاز الأعمال النهائية في المقرّ الجديد استعدادا للانتقال إليه في حفل سيكون حدثاً فنياً وثقافياً غير مسبوق يُعلن عن معهد بيت الموسيقى كونسرفتوار عربي مُجاز ومعترف به. ولا يُخفي المدير عامر نخلة والجمعية هدفهم المقبل وهو تحويل الكونسرفتوار إلى معهد موسيقي ثقافي في مستوى عالمي ينشط ويعمل بالتعاون مع المؤسسات المثيلة له في البلاد والخارج. أما القيمة الإضافية للمعهد فهي تطوير حياة موسيقية وحيوية موسيقية متعددة المستويات تؤكّد وجود الجماعة وبُعدها الإنساني المنفتح على كل الثقافات.