رأيت، وأنا أسمع الناس يتحدثون بتلهف عن مسلسل "باب الحارة" السوري، أن أكتب عن باب الدير، هذا المعلم التاريخي من معالم شفاعمرو القديمة وهذا الحي العريق من أحيائها العتيقة لألقي الضوء أولا على جانب مشرق من أيامه "العامرة" والغابرة!!... وهو يثير في من الشجون والذكريات ما يثير وقد ترك في نفسي وفي نفوس الكثيرين من أهل البلدة من الأثر الشجي ما لا يمحى ولا ينسى... وقد استبد بي الشوق والحنين إلى تلك الأيام الخوالي و"تاقت نفسي إلى ماضيها الأمين"!!... ومن ثم لتعريف ألأجيال الشابة ببعض من تاريخ آبائهم وأجدادهم المجيد، عل من لا يعرف منهم أهمية هذا التاريخ ويقرأ هذه الكلمات يصحو ويعود إلى جذوره وأصوله!!...

كان لهذا الموقع في الماضي حرمته وهيبته واعتباره... كانت له مكانته الخاصة... كان يعتبر من المواقع القديمة والهامة جدا... فمن المعروف أنه كانت تقوم على هذا المكان كنيسة صليبية قديمة تدعى كنيسة مار فوقا (سانت فوكاس St. Phocas -) هدمت مع مرور الزمن ولم يبق من آثارها إلا عامود رخامي (لا يزال محفوظا في كنيسة الدير إلى هذا اليوم) وجد تحت الأنقاض عندما قامت راهبات الناصرة ببناء ديرهن على الموقع ذاته عام  1866 وقد اتخذ اسمه فيما بعد نسبة لهذا الدير مما زاد من هيبته ووقاره...

ومما زاد من أهميته بالإضافة لما تقدم، موقعه المتميز في منتصف البلدة يوم كانت بيوتها وحاراتها تلتف حوله وتفضي إليه من كل جانب إذ كانت ساحته تعتبر الساحة المركزية والرئيسية فيها... ولا يزال بعض المعمرين، أطال الله في أعمارهم، يذكرون يوم كان هذا الدير وراهباته يغلقون أبوابه عند الساعة السادسة مساء ومع حلول المساء ليخلدن إلى العبادة والنوم ولا يعد يخرج أو يدخل منه أحد... وكان الشارع ساعتئذ  يقفر من المارّة ويخيم عليه السكون  والهدوء!!...

كانت الراهبات يدرن مدرسة ابتدائية للبنات تتعلم فيها الفتيات من كل طوائف البلدة وقد وجدت في أحد سجلات الدير القديمة أن عددا من الطالبات اليهوديات من بنات هذه الطائفة كن يدرسن فيها يوم كانت تسكن هذه البلدة طائفة يهودية صغيرة ويوم لم تكن هذه البلدة تعرف للطائفية وجودا ولا ذكرا ولا معنى!!... ويكفي هؤلاء الراهبات فخرا تلك الثقة المطلقة التي كان سكان البلدة يولونها لهن بائتمانهن على تربية بناتهم تربية سليمة وتعليمهم العلوم الصحيحة ولا تزال الأمهات اللواتي درسن في تلك المدرسة يتقن اللغات الثلاث العربية والفرنسية والانجليزية رغم أن الدراسة فيها لم تكن تتعدى الصف السابع ابتدائي!!...

وكنا ونحن صغارا ومعنا أطفال البلدة نقف على باب الدير ننتظر أن تفتح لنا "المحكمة" (العيادة) أبوابها "لنتحكم"!!... كانت الراهبات، ولا سيما الفرنسيات منهن، قد تدربن على مهنة التمريض أمثال مير كوشو الفرنسية وسير جميلة العربية، ولما لم يكن هناك لا طب ولا أطباء في ذلك الوقت (كان ذلك قبل أن يكرس الطبيب الطيب الذكر الدكتور موفق دياب يوما في الأسبوع لعيادة مرضاه في تلك المحكمة) كن ملجأنا الوحيد وملاذنا الأخير وخصوصا في أيام الصيف القائظ يوم كانت العيون الصغيرة وقد التهبت من شدة الحر واحمرّت من كثرة دخول الغبار والأتربة... وان كنا نخرج معافين سالمين وقد فعلت "القطرة" فعلها كالسحر المبين بعد أن تكون قد نزلت على العيون بردا وسلاما وقد اختفت آثار الرمد من الوجود!!... إلا أننا كنا دائما نحرص على أن لا نتجاوز تلك المسافة القصيرة التي كانت تفصل "المحكمة" عن المدرسة حفاظا على حرمة الدير أولا ولئلا يقع نظرنا على فتاة من الفتيات ثانيا  وكي لا "يجن جنون" الراهبات على إثرها!!... وان كنا أطفالا في عمر الورود!!... كان الأدب يتطلب منا ذلك وكنا نتقبله بكل رضا وطيبة خاطر وكنا نعتبر ذلك من قواعد الذوق السليم والسلوك الاجتماعي القويم!!...

ولعل من أجمل ما أذكره عن ساحة باب الدير وروعة الحياة في تلك الأيام، وقد ذكرت من قبل أنه كانت له حرمته واحترامه، أننا كنا ونحن صغارا نمتنع عن المرور من باب الدير وقد جلس كبار السن من شيوخ البلدة الأجلاء، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، المرحومين (أبو حمادة) محمد حمادة وأبو نعيم عيسى عوكل وعبدالله عوكل وآخرون غيرهم مما كانوا يسكنون في الجوار وقد جلسوا بمحاذاة حائط  ذلك المبنى القديم، الذي أصبحت تستعمله شركة "تنوفا" فيما بعد سوقا للخضار، وخصوصا في ساعات ما بعد الظهر وقد مالت الشمس نحو المغيب وقد ألقى المساء بظلاله الباردة على قارعة الطريق وقد هب النسيم العليل يطفئ حرارة الأجساد الملتهبة، وقد جلس هؤلاء الشيوخ على كراس صغيرة من القش، يستظلون بفيئه ويتفياؤن بظله، يحتسون قهوتهم ويتداولون في أمور دنياهم!!...

أقول كنا ونحن صغارا نتجنب المرور من أمام هؤلاء الرجال خوفا من أن نزعجهم ونعكر صفوهم ومزاجهم، واحتراما وإجلالا لمن هم أكبر منا سنا، كنا نغير الطريق ونلف وندور حول موقع "راس البلاط" لنصل إلى المكان الذي نريد وان حدث ومرّ الواحد منا فلم تكن تسمع لوقع أقدامه صوتا!!...

أين هذا مما يحدث اليوم في هذا المكان من أمور مخجلة أفقدته هيبته واحترامه ورزانته ورصانته!!... وقد اصطفت السيارات على جانبي الطريق دون مراعاة لشعور الآخرين حتى أخذ يضيق بمن فيه وتسببت في ازدحامات مرورية خانقة!!... وارتفع الصراخ يصم الآذان، وخصوصا في ساعات المساء، وعلا الضجيج يقض مضاجع هؤلاء الراهبات الفاضلات ومعظمهن من الطاعنات  في السن ويعكر عليهن نومهن وراحتهن...

وان لم يعد لهذه الصفات الحميدة من اثر وقد اختفى الاحترام من حياة الناس وغاب الأدب في غياهب النسيان كأن شيئا ما كان... وان كنا لا نطلب من أبنائنا الصغار والكبار أن يغيروا الطريق من أمام المعلمين والمسنين، كما كنا نفعل نحن "أيام زمان" أو أن يتوقفوا عن "الكلام المباح" إلا أننا وبكل تأكيد نأمل أن يفسحوا الطريق للسيارات العابرة، ومن ضمنها سياراتهم هم، وأن يفسحوا المجال للمارة وأن يخفضوا من وتيرة هذا الضجيج ومن إسماع هذا الكلام الرخيص والذي قد يمتد في بعض الأحيان حتى ساعات متأخرة من الليل وهذه الأغاني الهابطة تعلو من "أفواه" المسجلات لتمزق حجاب الصمت ولتخترق غرف نوم هؤلاء الراهبات واللواتي يربأن بأنفسهن من سماع مثل هذه الأحاديث!!...

أيها الناس رفقا بهؤلاء الراهبات!!... ورفقا بأعصاب من يقود سيارته أو تقوده قدماه أو يقوده حظه العاثر ليمر من هناك في هذه الأيام ليرى ويشاهد هذه الأوضاع!!... أيها الناس يا حبذا لو تعيدوا لهذا الموقع بعضا من اعتباره المفقود وعزه القديم ومجده التليد وان كنت أعرف أن الأمجاد الغابرة لن تعود!!... رحم الله أيام زمان!!...