رغم أن شفاعمرو ما زالت تلملم جراحها وتلتئمها.. رغم الحزن الذي يعشش في ملامح تلك الوجوه, وتلك الأجساد التي كلت الانتظار أمام محكمة الصلح في حيفا... رغم ذلك كله, وعذرا.. كان لا بد لنا أن نتحدث وإياكم عبر الموقع عن موضوع الانتحار, كونه بات حديث الناس وحديث الشارع الشفاعمري, الذي صعق وأصابته حالة من الذهول غير المألوفة لسماعه عن ثلاث حالات انتحار خلال فترة قصيرة جدا..

 

السيد خليل ريناوي- محاضر وباحث أكاديمي في موضوع الإعلام, حاصل على دكتوراه في علم النفس الاجتماعي, نشكره مسبقا على تلبيته دعوتنا, ليتحفنا بما عنده من معلومات مهنية حول موضوع الانتحار.

 

 

أجرى اللقاء: نـــــــــداء نصير

 

موقع شفاعمرو:  نرحب بك معنا في هذا اللقاء الخاص ، ونود أن نسمع منك بداية تعريفا – من هو المنتحر؟

 

د. خليل ريناوي: المنتحر هو شخص يتواجد في حالة نفسية صعبة جدا, منبثقة من وضعين, وهما: الوضعية الأولى, وفيها يشعر المقدم على الانتحار بالوحدة, والتي تسمى في علم النفس "الأنوميا", والوضعية الثانية, فيها يشعر أن المجتمع المحيط به في حالة تداخل كبير في حياته, أي أنه لا يشعر بالخصوصية التي يبتغيها, لأن مجتمعه يضيق عليه الخناق بشكل لا يحتمله.

 

موقع شفاعمرو: لو طلبنا منك أن تحلل شخصية المنتحر, فماذا تقول؟

 

د. ريناوي: بشكل عام, المنتحر يحمل شخصية هشة, غير قادرة على مواجهة واقعها, والمقدم على الانتحار, هو عمليا شخص يصل إلى وضع يشعر فيه أنه سوف لن يخسر شيئا, وتنعدم قيمته لنفسه وحياته.

كذلك هو شخص, تصوره الذاتي يكون في انخفاض مستمر, يشعر أنه غير منتج, وغير مفيد لمن حوله, وذلك مصحوب بشعور أنه عالة على المجتمع, فيلجأ إلى الانتحار, لأن الانتحار حسب منظوره, يريح من حوله منه, ويزيل عنهم الهم الذي يسببه لهم.

 

 

موقع شفاعمرو: ما هي الدلائل التي تشير إلى أن الإنسان مقدم على الانتحار؟

 

د. ريناوي: هنالك ثلاثة دلائل عامة, أولا- الشعور بالوحدة. ثانيا- أحاديثه تحمل كلاما يدل على اليأس, وثالثا- تكون تصرفاته بعكس ما يتصرف عادة, فمثلا إنسان بطبعه كثير المزاح, قد يظهر عبوسا, وقد يكون أيضا غير متوقع بتصرفاته, ودائم المفاجأة.

 

 

 

عادة يكون المنتحر دائم التذمر, وفي حالات معينة, أو إذا صح التعبير, حالات خاصة, يكون التذمر معدوما, ويلتزم المقدم على الانتحار حالة من الصمت والسكوت.

 

 

موقع شفاعمرو: نعرف أن المقدم على الانتحار, في حال فشل مبتغاه في المرة الأولى, يكرر المحاولة. هل وتيرة المرات الأخرى تكون أقل أم أكثر من المرة الأولى؟

 

د. ريناوي: هذا الأمر لا يمكن الجزم فيه, فالأمر متعلق بكل حالة وحالة.

 

موقع شفاعمرو: أنتم كمختص في علم النفس وباحث في آن واحد, هل ترى بالانتحار ظاهرة متفشية في مجتمعنا العربي في البلاد؟

 

د. ريناوي: أولا على الجميع أن يدرك, أن كل إنسان لديه ميول انتحارية, فجميعنا نشعر بحالة اليأس وعدم قيمتنا.

 

في مجتمعنا العربي, أكثر من 60% من الناس وصلوا إلى مرحلة التفكير بالانتحار. أما أسبابه, فهي بالأساس, متعلقة بطبيعة مجتمعنا, الذي يعتبر مجتمعا تقليديا, مبني على ثوابت دينية أخلاقية اجتماعية وثقافية تقليدية.

 

المشكلة هي أن مجتمعنا يتأثر بشكل دائم ببيئة منفتحة, مصحوبة بتطور تكنولوجي دائم. فهو منفتح على البيئة الغربية, التي يتصادم معها المنتحر, فيقع بين البين. بين القيم التقليدية التي نشأ عليها وتربى, وبين القيم المنفتحة, هذا الوضع يسبب تضاربا, فيه يصل إلى وضع لا يعرف حسب أي مفهوم عليه أن يتصرف.

 

هذا الوضع يؤدي إلى انعدام القيمة لحياة الفرد, وانعدام معرفة الصواب من الخطأ.

 

موقع شفاعمرو: شهدت شفاعمرو في الفترة الأخيرة, ثلاثة حوادث انتحار, وقد اختلفت في الحالات الثلاث الحالة الاجتماعية والدينية. في أي بيئة يجد الانتحار له مكانا أوسع؟

 

د. ريناوي: الانتحار متعلق بالسن والدين والحالة الاجتماعية. فعادة حالات الانتحار تكون في فترة الانتقال من سن الشباب إلى سن "اليأس". كذلك الانتحار يحدث بشكل أكبر في المجتمعات المتزمتة وبين أبناء الطوائف المتزمتة دينيا والمنغلقة على نفسها. فهناك حالات الانتحار هي أكثر شيوعا.

 

موقع شفاعمرو: هل لك أن توضح لنا أي سبب قد يؤدي لشخص ذي مكانة مرموقة الإقدام على الانتحار؟

 

د. ريناوي: في هذه الحالات, ما ذكر سلفا لا ينطبق مع أشخاص ذوي مكانة مرموقة, وأصحاب مناصب. ما يحصل أن المقدم على الانتحار هنا, يصل إلى طريق مسدود, كونه دخل في وضع معين ليس معتادا عليه. مثلا- تتدهور حالته الاقتصادية, أو أزمة نفسية شديدة, أسباب عاطفية وارتباطه مع من حوله وتوقعاتهم العالية منه, والتي لا يقدر على تحقيقها.

 

( في الجزء الثاني سيجرى لقاء مع طبيب نفسي تحليلي ومعالج, حتى تحصلوا على الصورة كاملة فيما يتعلق بموضوع الانتحار)