معالم شفاعمرية

 

قلائل هم الذين يعرفون اسم هذا المكان من أبناء الجيل الجديد رغم شهرته التي امتدت إلى حين... كان "باب الحواصل" يقع في مدخل البلدة الغربي يوم كانت هذه البلدة عبارة عن بضع حارات قليلة العدد (القلعة – الزقاق - حارة أبو رحمة - البركة - العنيزية – الهوّارة – حارة أبو خضرة - الحارة الغربية) وكلها متلاصقة ومتجاورة، وفي كثير من الأحيان متداخلة، ولا تبعد كثيرا عن بعضها البعض... كانت هذه الحارات تحيط "بالقلعة" من جميع نواحيها، ولا تفصل بينها سوى أمتار قليلة ولا يفصل بين أهلها فاصل إلى يومنا هذا!!... ورغم أن حاراتها "الجديدة"، كحارة (مرشان) مثلا، أخذت تمتد إلى الجهات الأربع وابتعدت عن الحارات القديمة، إلا أنها لم تباعد  بين ساكنيها كما هي الحال في هذه الأيام!!...

كان الناس يتدفقون على هذا المكان عند حدوث ما يستحق الاهتمام حتى كان يغص بمن فيه... كانوا يتقاطرون إليه كلما سمعوا خبرا يثير فيهم حب الاستطلاع أو ليشتركوا في المناسبات الخاصة كالأعياد حيث كنت ترى السكان يسيرون زرافات ووحدانا في طريقهم لتبادل زيارات المعايدة... ولا ننسى أهمية "الخبر العاجل" الذي كان "يذيعه" (يناديه) "المنادي" بأعلى صوته من هذا المركز الرئيسي للبلدة، وقد وقف على رأس "الدبّة" الشهيرة، المرتفعة والواقعة في مدخله، والمشرفة على الوجه الغربي، وهي من المعالم البارزة فيها، فتطل الرؤوس وتشرئب الأعناق لسماع ما يقول... كان الناس يتوقون، من جراء الملل القاتل، لسماع كل كبيرة وصغيرة من أخبار البلدة عبر وسيلة الإعلام الوحيدة هذه!!... كما كانوا يتوقون للقاء بعضهم يوم كانت الحياة في القرية تسير بطيئة رتيبة متثاقلة...

سمي بهذا الاسم لأن بعض المحلات التجارية الكبيرة نسبيا (حواصل) والصغيرة منها أيضا تقع على جانبيه وتشكل مركزا تجاريا هاما، تزود الناس بالمؤن الضرورية التي يحتاجون إليها ولعل أهمها وأكبرها حواصل سليمان الخورية الثلاثة... كانت بعض المشاغل الكبيرة والحديثة مثل "بابور" الطحين الذي كانت تملكه عائلة الدّر، وهي أول من أدخل الميكانيكيات إلى البلدة، وكان يشتغل على (سولر)، كانوا يسمونه في تلك الأيام "زيت وسخ" وكنا نعجب ونحن صغار من هذه الكلمة الغريبة المعلقة على يافطة كبيرة إلى أن عرفنا فيما بعد أنها ترجمة حرفية لكلمة ((Crude Oil الانكليزية أي النفط الخام قبل التكرير!!... وكانت هذه (المطحنة) التي لم يكن يستغني عنها أحد من الفلاحين ومن البدو الذين كانوا يسكنون في جوار البلدة ويأتون لطحن قمحهم فيها، تضم أيضا بعض ورشات النجارة والحدادة الحديثة... وكانت تقوم إلى جانبها معصرة زيتون من الطراز القديم (قائمة حتى اليوم وان كانت لا تعمل) هذا ناهيك عن ما لا يقل عن خمس معاصر زيت أخرى تقع في محيطه وقد تهدم معظمها ولا تزال بعض آثارها ماثلة إلى اليوم... بالإضافة إلى المعاصر العديدة الأخرى المنتشرة في أرجاء البلدة، التي اشتهرت، فيما اشتهرت به، بزيتونها المبارك وبأراضيها  الشاسعة التي كانت تملكها فيما مضى وتدر عليها خيرات وفيرة!!... وفي الجوار القريب كانت تقع أفران الخبز المنتشرة في أحياء عدة من البلدة وتسهيلا للنساء على حمل أطباق الخبز إليها كان لكل حارة فرنها وكان لكل بيت طابونه، وبهذا تكون الحياة قد اكتملت على حد تعبير أجدادنا عن واقع حياتهم: "خبز وزيت عامود البيت" رمزا للقناعة التي كانوا يتمتعون بها!!...

كان موقعه المميز يجعله يلعب دورا هاما في حياة المدينة فكونه الشريان الرئيسي الذي يربط بين غرب المدينة وشرقها، وخصوصا بعد تعبيد "الشارع الجديد" (شارع جبور جبور اليوم)، وكونه يشكل همزة وصل بين حاراتها المختلفة،  جعله ممرا لخط  باصات ركاب "شفاعمرو– حيفا" القديم (نمرة 11)  الذي بقي يعمل منذ تأسيسه في أوائل الثلاثينيات وحتى عام 1948 وتعتبر هذه الشركة أول شركة مساهمة بملكية محلية!!... وكانت السيارات قد بدأت تدخل البلاد وأخذت تحل شيئا فشيئا محل عربات (الكارّة) التي تجرها الخيل والدواب...  وكنا نسمي الباص (بوسطة) في تلك الأيام ولا أدري لماذا أعطوا هذا الخط رقم 11 ربما فقط لأن الباص لم يكن ليتسع لأكثر من 11 راكبا!!... وكانت محطته الرئيسية الأولى إلى حيفا تبدأ من هذا المكان وفي طريق العودة كان هذا الباص يدور من شارع الناصرة، لصعوبة صعود هذه السيارات البدائية القديمة "طلعة الخندق"، الحادة الارتفاع، ثم يتابع سيره إلى "باب الدير" مرورا "بالشارع الجديد" الذي لم يكن قد مضى على تعبيده سوى وقت قصير (ومن هنا جاءت تسميته بهذا الاسم) وصولا إلى "باب الحواصل"، محطته النهائية، حيث كان يبدأ السفر إلى حيفا من جديد... كل هذا كان قبل أن يتم دمج هذه الشركة مع شركة "أيجد" بعد أن استولت قوات الهاجناه على بعض هذه الباصات عند احتلال البلدة...

كانت الكنيسة والجامع تقعان في قلبه مما أكسبه أهمية خاصة ولم تكن الخلوة تبعد عنهما كثيرا (وان مجاورة هذه الأماكن المقدسة لبعضها البعض منذ قديم الزمان لأكبر دليل على وحدة شفاعمرو وأهلها)... وكنت ترى الناس يلتقون مع بعضهم البعض وهم غادون رائحون لأداء صلواتهم... كما أنه كان يشكل مدخلا لسكان حارة القلعة القديمة والعريقة يمرون عبره في طريقهم إلى السوق أو متجهين شرقا عبر (الشارع الجديد) إلى أن ينتهي بهم المطاف في "باب الدير"، آخر معالم العمران في تلك الأيام!!... كما أنه لم يكن يبعد كثيرا عن بقية حارات البلدة كحارة "الهوّارة" وحارة "الزقاق"... أضف إلى ذلك كله أن شيوخ البلدة من حاراتها القريبة كانوا يستمتعون في الجلوس على جانبيه في ساعات ما بعد الظهر حيث أنه كان مفتوحا من جهة الغرب ومرتفعا شيئا ما ويتيح لنسيم المساء العليل أن يهب عليهم من جهة البحر ناعما باردا وخصوصا في أيام الصيف القائظ...

أما "قهوة عطاالله"(مطعم أبو الزاكي اليوم) لصاحبها عطالله الجمال وكان من آوائل الشفاعمريين الذي هاجروا إلى أمريكا في مطلع القرن العشرين بين سنوات (1900 - 1920) على وجه التقريب ثم عاد بعد أن جمع شيئا من المال وكان أول من أحضر معه سيارة إلى البلدة وبنى فيما بعد هذه البناية الحديثة التي كانت تقع في مطلعه الغربي وتطل على منظر جميل رائع وكانت تشكل نقطة التقاء يروّح الناس بها عن أنفسهم عندما كانت المقاهي وسائل التسلية والترفيه الوحيدة حيث لم تكن هناك دور للسينما أو غيرها... وقد لعبت هذه القهوة دورا هاما أثناء الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) حيث عاد الشفاعمريون الذين نزحوا إلى حيفا، اثر تعرضها  لغارات الطائرات الألمانية، إلى أهلهم وبلدهم طلبا للأمان فاكتظت بالزبائن الذين لم يكن لهم ما يفعلونه فانتعشت جدا ويقال إن البلدة انتعشت اقتصاديا أيضا وقد كان هؤلاء  قد أصابوا شيئا من الثراء...    

ولا يمكن أن نمرّ على ذكر "باب الحواصل" دون أن نذكر العم المرحوم أبو سلمان محمد السلمّان وقد جلس على شرفته الواقعة في مدخل حارة القلعة، كالأسد الهصور، والتي تطل على "باب الحواصل" وتشرف عليه، يراقب كل شاردة وواردة تجري فيه ويصرخ بصوته الجهوري على كل من تسول له نفسه أن يعكر صفو هذا المكان أو أن يعبث بممتلكاته فيرتد خائبا مذعورا...

واختار البنكان الكبيران، البنك العربي وبنك العمال، فتح فرعيهما في أوائل الستينيات، في هذا المكان كونه أول وأقدم مركز تجاري في البلدة، إلى أن "ضاق بهما المقام" وتسببا في ازدحام شديد من جراء السيارات الواقفة على جانبيه مما حدا بهما إلى نقل هذه الفروع إلى المراكز التجارية الجديدة الواقعة في أطراف البلدة...

ولعل أكثر الأيام بهجة في "باب الحواصل" كانت أيام الأعياد وخصوصا العيد الكبير (الفصح)، الذي اصطلح الناس على تسميته "عيد فقاس البيض"، حيث كان يلتقي سكان البلدة بجميع طوائفهم وقد خرج كل من بيته حاملا سلته وقد ملأها بالبيض الأصفر المسلوق "بالصفير" ليشترك بهذه المناسبة الخاصة محتفلين بالعيد سوية عن طريق "المفاقسة"!! أو المشاركة في لعبة "الندب"!! وما أدراك ما لعبة الندب!!... (ومن الجدير بالذكر أن هذه الألعاب كانت لها قوانينها الخاصة للدلالة على أهميتها وجديتها)!!... ويومها كان هذا المكان يمتلأ بالسكان ويومها كانوا يقولون "امتلأت البلدة من "باب الحواصل إلى باب الدير" أي من أقصاها إلى أقصاها!!... كما أن الازدحام كان في كثير من الأحيان يمتد ليصل إلى "السوق القديم" حيث كان هو أيضا يكتظ "بالمحتفلين"!!... ليعود "الرابحون" في نهاية النهار إلى بيوتهم وهم يحملون بضع بيضات كانوا قد كسبوها إما بمهارتهم وإما "بحذلكتهم"!!  وقد غمرتهم سعادة "الفوز" وعلا البشر وجوههم!!... بينما يعود الخاسرون وهم يندبون حظهم العاثر!!... أين نحن من تلك الأيام التي كان فيها كسب بيضات قليلة يثير فينا البهجة والسرور؟!...

هكذا كان أهل شفاعمرو الطيبون يعيشون في تلك الأيام ببساطة وطيبة قلب يحتفلون بأعيادهم معا بطرقهم التقليدية الخاصة... أقول كانت هذه المواقع ترتدي حلة قشيبة من البهجة والفرح، وان كانت بعض هذه المظاهر لا تزال على حالها حتى اليوم، وان كان "باب الحواصل" لا يزال يعج بالمواطنين في كل مناسبة حتى يومنا هذا، وآمل أن يستمر على هذا الحال وعلى هذا المنوال، إلاّ أن الفرحة التي كانت تسود الكبار والصغار قد اختفت من عيون الناس واختفت معها "سلال البيض" وحلّت محلها الألعاب النارية تملأ السماء بالدخان الخانق وأصوات المفرقعات التي تصم الأذان تعكر صفو الأجواء وتشكل خطرا على حياة الأطفال، ولم يبق هناك من يحتفل بهذه الأعياد بالطرق القديمة البريئة والخالية من الخطر، كما كنا نحتفل في الماضي، ولم يعد هناك من يفرح اللهم سوى الصغار، بعد أن أشغلت هموم الحياة الكثيرة بال الكبار وأثقلت كواهلهم فطارت البسمة من وجوههم!!...

أما اليوم وقد امتلأ "باب الحواصل" أو "أختنق!!" من كثرة السيارات المارة فيه أو الواقفة على جانبيه بحيث لم تعد تجد فيه موطئ قدم لرجليك أو مكانا للسير فيه مشيا على الأقدام، إلاّ أن موقعه المركزي المميز لا يزال يحتفظ بمكانته الخاصة ويجعله يضج بالحياة رغم كل ذلك!!...