Disreputed معالم شفاعمرية

 

كانت الأسواق ولا تزال عصب الحياة في المدن الكبرى وخصوصا القديمة منها وقد اشتهرت بها  كل من دمشق (سوق الحميدية) وبيروت (سوق سرسق) والقاهرة (خان الخليلي) وسوق القدس وغيرها من المدن الفلسطينية كبيت لحم ورام الله وحيفا والناصرة وعكا...

كانت هذه الأسواق تجتذب السياح الوافدين إليها والزوار القادمين من القرى القريبة المجاورة التي كانت تفتقد لمثل هذه الأسواق لتتسوق وتقضي حاجاتها منه... وقد كانت السوق عند العرب تسمى "بندر" كما كانت عمان على سبيل المثال "بندرا" للقبائل البدوية المحيطة بها قبل أن تتطور إلى ما وصلت إليه اليوم... كانت أسواق المدن تسد احتياجات سكان القرى المجاورة "ينزلون" إليها كلما اقتضت الحاجة لذلك...

ولعل السوق القديم في شفاعمرو لم يكن ليشذ عن هذه القاعدة...  فقد كان إلى ما قبل بضع سنوات خلت يعج بالحيوية والحياة، أما اليوم وقد أقفر من "سكانه" القدامى  ومن تجارته الرائجة في تلك الأيام ومن المشترين والباعة، وقد خلا من المارة أيضا، أضحى بلقعا يبابا!!...

إن الذي عاش تلك الفترة الذهبية يوم كان هذا السوق "في عزّه" لا يسعه إلا أن يتحسر على تلك الأيام الخوالي وعلى ما آلت إليه هذه الحوانيت "المغلقة" الواقعة على جانبيه، وقد بدت حزينة كئيبة بعد أن كانت في يوم من الأيام عامرة، وعلى ما أصابها من خراب وهجران بعد أن هجرها ساكنوها!!... وإن الذي تسوقه قدماه اليوم ليمر في وسطه لا يسعه إلا أن يحزن ويتألم على هذا الوضع المزري وهذا الإهمال الفاضح لكل مرافقه ولا يسعه إلا أن يتذكر قول الشاعر: "قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل"!!... وقد اعتاد الإنسان، كما تعلمون، أن يبكي على الأمجاد الغابرة منذ قديم الزمان!!...

وعلى بعد مسافة قصيرة منه كانت تقع الحسبة (سوق الخضار) مما مكن أصحاب الحوانيت من شراء الخضروات، ومعظمها موضوعة في "سحاحير" (صناديق) من الخشب، وحملها على الأكتاف، نظرا لقرب المسافة، لنقلها إلى حوانيتهم... وللحسبة ذكرياتها وقد كانت تنعقد في الصباح الباكر وقد أحضر الفلاحون خضرواتهم الطازجة، وقد قطفت من كرومهم للتو كالعنب والبطيخ والبندورة والخيار وغيرها من الخضروات والفواكه وكانت تعج بالمشترين كخلية النحل ولكنها كانت سرعان ما كانت تفرغ من "زبائنها" وتنفض على عجل بعد أن تكون البضائع "المعروضة" على الأرض قد نفذت ولم يبق سوى صوت "الدلاّل"، وهو يصيح بأعلى صوته، يتردد صداه قي آذاننا ...

وان كانت هذه الأسواق تشهد في الماضي جميع أنواع المتاجرة والمقايضة وحركة البيع والشراء على أشدها إلا أن السوق القديم في شفاعمرو كان، بالإضافة إلى ذلك كله، يشغل ما يشبه "برلمان" البلدة!!... ففيه وعلى جوانب هذه الحوانيت كان يجلس الشيوخ وكبار السن يتبادلون الأخبار ويتشاورون في أمورهم ويستعرضون مشاكلهم وخصوصا ما كان يتعلق بالحكومة "العلية" (التركية)!!... وقد اتخذوا من السوق مكانا لعقد اجتماعاتهم وجلساتهم اليومية يلتئم فيه هذا "البرلمان" لسماع قضايا الساعة وللتشاور فيما يعملون ثم يسرعون بما يتخذون من قرارات يحملونها لعرضها على المدير التركي الجالس في السراي القريبة منهم ولبحثها معه...

ولعل ما ميز سوق شفاعمرو القديم قربه من السراي الحكومي (القلعة) ولا تفصله عنها سوى بضعة أمتار، حيث بقي المدير التركي يجلس فيها حتى أواخر العهد العثماني عام 1917، وكان آخرهم حسين حسني وكان شابا ألبانيا مثقفا تربطه بأهل شفاعمرو، كل أهل شفاعمرو، علاقات متينة من الصداقة والمودة قل أن تجد لها مثيلا عند الآخرين!!... وقد فتح أبوابه على مصراعيها لشيوخ البلدة جميعا وأصحاب الشأن فيها، الأمر الذي سهل عليهم عملية لقائه والاجتماع به، يحملون معهم "عريضة" ما أو مظلمة أو شكوى يقصدون بها "دار الحكومة" ويدخلون عليه كلما دعت الحاجة إلى ذلك، وان لم يكن هناك من شكوى فللزيارة والمسامرة أوقات الفراغ كما وأنه كان في نفس الوقت يبادلهم الزيارات... ويقال أنه بكى عندما غادر شفاعمرو  حيث قال مودعا: "إن انكسار تركيا أهون عليّ من مغادرة شفاعمرو"!!...

ولا تزال آثار عزّ هذا السوق البائد ومجده الزائل بادية على معالمه المقفرة... وها هو بيت المرحوم "أبو منصور نخول"، القابع على "عقدة السوباط"، يطل عليه كالقصر المنيف، بكل رونقه وجمال عمرانه ليذكرنا بأمجاده الغابرة...

كان سوق شفاعمرو القديم يبدأ طريقه ما بين الجامع والكنيسة ثم يتجه شرقا ويلاقيك أول ما يلاقيك دكان العم "أبو عبدو" (العكاوي) بلباس الدراويش المزركش وعمامته الخضراء الملونة وقد جلس، بكل هدوئه وصمته، وراء بسطة من الخشب، أكل الدهر عليها وشرب، ووضع أمامه بضع حاجيات لا تتعدى أصابع اليد ولا تجد من يشتريها!!... ثم تشق طريقك حتى تمر بشخصيات هذه السوق واحدا واحدا كلما أوغلت السير فيه وكلها شخصيات مميزة بامتياز!!... فالمرحوم أبو شفيق حنا الديك، وكان يحترف من المهن والحرف ما يفوق الوصف والخيال ومنها كي الطرابيش!! وقلع الأسنان!! ووضع "العلق" الأسود على أجسام المرضى!! بالإضافة إلى كونه حلاقا ومصوراتي وساعاتي!!... والمروشي الذي كان يسبغ على السوق جوا من المرح والسرور بنكاته و"مقالبه" البريئة التي لم يكن ينجو منها أحد!!... وأبو جميل سليمان ألخوري صاحب الشخصية القوية الذي قلما كنت تراه مبتسما والذي كانت مطرقته تترك وقعا موسيقيا رتيبا وغيرهم كثيرون... كنت أود أن أذكرهم فردا فردا ولكن الحديث عن كل واحد منهم يحتاج إلى صفحات وصفحات!!... وكان الناس يلتفون حول أصحاب هذه الحوانيت، الذين كانوا في معظمهم محدثين بارعين، ليستأنسوا بقصصهم الممتعة، وأكثرها ينضح حكمة، وبأحاديثهم السلسة ونكاتهم المرحة... أين من يحدّث في هذه الأيام وأين من يسمع؟!...

وكان السوق يحوي جميع أنواع الحوانيت فهناك البقال واللحام وبائع الخضار والساعاتي والمصوراتي والحلاق والحداد والاسكافي وحتى البوسطة (مكتب البريد القديم)، مع التلفون الوحيد واليتيم في البلدة بأسرها، كانت تقع في هذا السوق!!... كما كان يضم عددا من المقاهي التي كانت منتشرة على طوله يلعبون فيها الورق والنرد (الطاولة) والدومينو وكانت هذه أكثر الألعاب انتشارا... وان صورة العقيد "أبو شهاب" في المسلسل السوري "باب الحارة" تعيد إلى الأذهان صورة الخال "أبو منيب" بشاربيه المفتولين وطربوشه الأحمر وهو يقف منتصبا على باب مقهاه ينهى بكل حزم كل من تسول له نفسه أن يتفوه بكلمة أو يقوم بحركة تخرج عن نطاق الرجولة والرزانة والوقار!!...

ومن أطرف ما سمعت عن هذه المقاهي أن سكان شفاعمرو، ككل سكان فلسطين، كانوا "مسيّسين" حتى النخاع!!... وكان بعض "الاختيارية"، من الناس البسطاء وأصحاب الطبع الحاد، أثناء الحرب العالمية الثانية التي دارت رحاها عام 1939 بين الألمان والانكليز ينقسمون كالعادة إلى معسكرين، فريق يؤيد هتلر، الزعيم الألماني، وكانوا يسمونه "أبو علي" وفريق آخر يناصر تشرشل، الزعيم الانكليزي، ويسمونه "تشرشر"!!... وكثيرا ما كانت تدور بينهم معارك حامية الوطيس، على حساب هذين الزعيمين من حيث لا يدريان، يسودها عراك بالأيدي كلما احتدم النقاش واحتد الجدال بينهم على من سيكسب الحرب، إلى درجة الضرب بالكراسي وقلب الطاولات على بعضهم البعض ويتراشقون بالشتائم والمسبّات إلى أن يتمكن الحضور من فك هذه "الاشتباكات"!!... وإلى أن يعودوا إلى لعبهم في اليوم التالي وكأن شيئا لم يكن!!... هكذا كان الناس في تلك الأيام بساطة ومحبة وطيبة قلب!!... هل من يعيد إلى هذا السوق عزّه القديم؟!... وهل من يعيد إلى شفاعمرو أيامها الحلوة؟!...