أثمرت كافة الجهود المبذولة بغية إصلاح العلاقات التركية الإسرائيلية بعد ست سنوات من الانقطاع عن إحياء الآمال لتعزيز التعاون بين البلدين.

وأصبح يوفال شتاينتز، وزير الطاقة، أول وزير إسرائيلي يزور تركيا الأسبوع الماضي منذ عام 2010 لإجراء محادثات مع نظيره التركي برآت ألبيراق.

وتعتبر الزيارة نقطة تحول في العلاقات بين البلدين حيث اتفق الطرفان على تعزيز التعاون وناقشا إمكانية بناء خط أنابيب غاز طبيعي من إسرائيل إلى تركيا.

وقال إبراهيم كالين، المتحدث باسم الرئاسة التركية، بعد ساعات من ذلك أن البلدين سيتبادلان السفراء خلال عشرة أيام.

وكانت العلاقات بين البلدين قد أصابها الجمود في مايو/آيار عام 2010 عندما شنت قوات كوماندوز إسرائيلية هجوما على سفينة تركية، "مافي مرمرة"، كانت من بين أسطول مساعدات يسعى إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة. وأسفر الهجوم عن مقتل عشرة ناشطين أتراك كانوا على متن السفينة.

لماذا الآن؟

جرت العديد من جولات المحادثات والمفاوضات السرية بين البلدين بهدف الوصول إلى هذه المرحلة.

وقال أحمد قاسم هان، من جامعة قادر هاس التركية :"هذا التقارب يعتمد على سياسة وتقييم واقعي للوضع على الأرض".

وأضاف : "تواجه جميع الدول في الشرق الأوسط الكثير من التحديات، ولا يملك أحد رفاهية العزوف عن إبرام تعاون في ظل وجود مصلحة مشتركة".

ويرى أحمد قاسم هان أن البلدين يقلقهما الدور الإيراني في سوريا ويرغبان في إنهاء الصراع. كما يتقاسمان وجهات نظر متشابهة بشأن السعودية.

وقال "تتداخل مصالح البلدين بشكل كبير. كما تشكل اتفاقيات الطاقة فرصة إيجابية وبناءة للطرفين".

وأعلنت إسرائيل وتركيا في يونيو/حزيران أنهما ستجريان تطبيعا للعلاقات، ودفعت إسرائيل الشهر الماضي 20 مليون دولار لأسر ضحايا هجوم "مافي مرمرة". وكانت إسرائيل قد وافقت على طلب تركيا في تقديم اعتذار رسمي في عام 2013.

وعلاوة على التعويضات، وافقت إسرائيل على وجود إنساني لتركيا في غزة، على الرغم من عدم الموافقة على شرط مسبق آخر لأنقرة، وهو رفع الحصار عن غزة.

ما هو مشروع خط الأنابيب؟

منذ أن عثرت إسرائيل على حقل غني بالغاز الطبيعي في عام 2009، لاحت في الأفق أحلام نقله من حقول بحرية مثل حقلي ليفياثان وتامار.

وقال شتاينيتز إن إسرائيل اكتشفت حتى الآن نحو 900 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وتنقب بغية إمكانية العثور على 2200 مليار متر مكعب.

وأضاف "يوجد الكثير من الغاز أكثر من توقعاتنا. ويعتبر تصدير الغاز لجيراننا في المنطقة أو إلى أوروبا من خلال خطوط أنابيب مختلفة من الأشياء بالغة الأهمية بالطبع".

وتعزز إسرائيل علاقات تعاون إقليمية مع مصر والأردن وقبرص واليونان، لكنها ترى أن تركيا شريكة مهمة محتملة.

ويعتقد مايكل ليغ، خبير شؤون الغاز في البحر المتوسط، إن سبب ظهور هذا المشروع من جديد على الطاولة هو تطبيع العلاقات الإسرائيلية التركية.

وأضاف "تحرص الحكومتان على إيجاد سبل تفضي إلى ترسيخ هذا التطبيع وترجمته إلى شكل ملموس من أشكال التعاون الاقتصادي. ومن وجهة النظر السياسية، يعتبر من الأمور الجيدة أن تكون الطاقة مجالا للتعاون المحتمل في المستقبل".

كيف تستفيد تركيا؟

حتى الآن مازال لدى تركيا القليل من مصادر الغاز الرئيسية، حيث تستورد من روسيا نحو 56 في المئة من الإحتياجات الكلية للبلاد.

ويعتبر هان أنه على الرغم من تسوية الأزمة بين تركيا وروسيا في أعقاب إسقاط طائرة روسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، مازال هناك تأثر يشوبه الحذر على الجانب التركي.

وقال : "تحتاج تركيا إلى تنويع مصادر الطاقة لديها. بالطبع ربما تستفيد تركيا من الأرباح التي ستجنيها في حالة أن أصبحت مركزا للطاقة".

ويقول خبراء إن هناك مسارين محتملين لخط الأنابيب هما: بناء خط أنابيب من إسرائيل إلى تركيا، وهو طريق يمر عبر المياه اللبنانية والسورية، والمسار الآخر هو أن يمر عبر المياه القبرصية.

وتستبعد الحرب السورية الخيار الأول، كما أن طريق قبرص صعب بسبب غزو تركيا للجزيرة عام 1974 في أعقاب انقلاب بإيعاز من اليونان، وانقسامها بعد ذلك.

وقال مايكل ليغ : "مع بقاء مشكلة انقسام قبرص بدون تسوية، فمن غير المحتمل على الإطلاق أن توافق الحكومة القبرصية على هذا الطريق. وحتى تحدث تسوية، لايمكن أن يحقق هذا المشروع في الواقع أي تقدم".

كيف تستفيد إسرائيل؟

تبحث إسرائيل عن شركاء في مجال الطاقة لتطوير حقول الغاز الخاصة بها وجعلها ذات جدوى اقتصادية.

وقال هان : "تحتاج إسرائيل إلى إمداد الأسواق الدولية وتحقيق أرباح من الغاز في أسرع وقت ممكن. ومن المهم للغاية بناء خط الأنابيب في أسرع وقت".

وأضاف : "تركيا ستعتبر الطريق الأكثر فعالية والأرخص ثمنا، وسوف تكون سوقا جذابة. لذا من الطبيعي أن تفضل إسرائيل تركيا".

ويوافق مايكل ليغ على أن الخيار التركي سيفيد إسرائيل، لاسيما إذا تحسنت العلاقات. وقال "خط الأنابيب إلى تركيا سيكون سهل البناء نوعا معا، كما أن الغموض السياسي في تركيا ليس بحجم المخاطر السياسية في مصر".

هل سيكون هناك سلام دائم؟

على الرغم من بدء عملية التقارب، فليس من المستبعد حدوث خلافات في المستقبل.

فإسرائيل لن تنسى على أرجح التقديرات إدانة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الشديدة لأفعالها، ووصفها بأنها "دولة إرهاب تذبح الأطفال الأبرياء". كما اتهم الحكومة الإسرائيلية بأنها "تبقي على روح هتلر حية".

وتساند تركيا القضية الفلسطينية التي تمثل إشكالية في حدث ذاتها. كما أنها تدعم حركة حماس الإسلامية التي تدير قطاع غزة.

وقال هان "خلال تسعينيات القرن الماضي، تعززت العلاقات الإسرائيلية والتركية من خلال التعاون بين جنرالات الجيشين. والآن سينهض رجال الأعمال بهذه المسؤولية".

وأضاف : "وحتى على الرغم من تجميد العلاقات الدبلوماسية، ظلت الموانئ الإسرائيلية مفتوحة أمام البضائع والخدمات التركية خلال السنوات الخمس الماضي. وتعتبر البراغماتية مؤشرا مهما في العلاقات الإسرائيلية والتركية".

وحذر قائلا : "لكن العلاقات بين البلدين تعتمد بشدة على سياستهما الداخلية، وهذا قد يضر. وسيظل هناك دائما هذا الخطر".