حين يشتري الألمان كيلوغرام من البطاطا، يدفعون اليوم 1,5 دولارًا. لكن هذا السعر ليس السعر الحقيقي كاملًا، فالجميع يتجاهل الكلفة البيئية للزراعة والانتاج، على الرغم من أن ثمة من يحاول تغيير هذه العادة. لكن قبل الخوض في ذلك، كيف يتحدد هذا الثمن، وهل يعكس فعليًا القيمة الحقيقية لكيلوغرام واحد من البطاطا؟

تحدد أسعار الموز ولحم البقر والخبز وغيرها من المواد الغذائية في المقام الأول من خلال العرض والطلب، وأحيانًا من الإعانات والحصص والمضاربة في الأسعار. لكنها لا تشمل المساهمات التي تقدمها الطبيعة، كاستخدام المياه النظيفة أو الأراضي الزراعية الخصبة. لكن السعر لا يشمل المواد الكيميائية الضارة المستخدمة والجسيمات الملوثة المنبعثة من عملية الإنتاج، لا للمنتجين ولا مستهلكين.

القيمة الحقيقية

قال ريتشارد ماتيسون، الرئيس التنفيذي لشركة Trucost، لمجلة شبيغل الألمانية: "رأس المال الطبيعي مجاني في كثير من الأحيان، ولأنه مجاني لا يقدّر في أغلب الأحيان حق قدره". اتخذت هذه الشركة  على عاتقها وضع بطاقة السعر على الطبيعة نفسها، من خلال محاولة تحديد القيمة المفقودة عندما تدمر الشركات البيئة  أو تلوثها. أضاف: "نتأكد من أن يتم التعرف إلى قيمة هذه الأنظمة الطبيعية". 

والمفترض بحسابات Trucost مساعدة الشركات على تحسين عمليات الإنتاج، ومساعدة المستثمرين في قياس المخاطر البيئية، والسماح للعلماء ببحث أفضل في اعتماد الاقتصاد على الموارد الطبيعية.

يعتقد جورج مونبيوت أن هذا هو الطريق الخطأ. وبحسبه، هذا النهج لا يحمي الطبيعة من النهب الاقتصادي، ووضع ثمن على البيئة هو أقرب إلى إخضاع حمايتها للرأسمالية. فمبادئ وقيم بعينها مثل التسويق والسعي إلى تحقيق النمو الاقتصادي، كما يقول، تضر هذا الكوكب، "فمقاربات  كالتي تعتمدها Trucost تحاول الآن أن تقدم تلك المبادئ على أنها طريق خلاص الكوكب".

لكن بالنسبة إلى ماتيسون، الصلة بين الموارد الطبيعية والاستثمار النقدي واضحة، "ففي أماكن قطع الأشجار، شهدنا موجات جفاف كبيرة، وهذا يعني انفاق أكبر، والانفاق هذا يتم من رأس المال الحقيقي بعد استنزاف رأس المال الطبيعي".

ما كلفة الطبيعة؟

السؤال الذي يطرح اليوم بحسب شبيغل: كيف يمكن تحويل إزالة الغابات وتلوث المياه والانبعاثات الضارة إلى أموال؟ يقول ماتيسون: "اذا قوّمت المياه حق تقويم، سيكون هذا التقويم مرتبطًا بندرة المياه". والقيام بذلك يعني أن "المنتوجات التي تعتمد على المياه في الأماكن التي تعاني ندرة المياه ستصبح أكثر تكلفة، فعلى سبيل المثال، في مدينة جدة السعودية، سعر المياه ثلاثة سنتات لكل متر مكعب، وفي 7 دولارات للمتر المكعب الواحد، وهذه فوارق جذرية في تكلفة المياه، تحاول Trucost أن تأخذها في حسابها.

يحاول ماتيسون وزملاؤه أيضًا تثمين أشكال أخرى من الضرر البيئي، مثل آثار تلوث الهواء على البشر والطبيعة. ففي الصين، تسبب الانبعاثات الضرر الاقتصادي بنسبة 5 إلى 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وهذه التكاليف تأتي في شكل نفقات طبية إضافية بسبب أمراض الجهاز التنفسي، وتلف المباني الناجمة عن الأمطار الحمضية وضعف المحاصيل.

التحليل السعري ضروري

في حساب اي تكلفة غذائية، الماء عامل حاسم. يدفع المزارعون ثمن الماء، لكن ماتيسون يقول إن الثمن الذي يدفعونه لا يعكس بالضرورة القيمة الحقيقية للمياه المستخدمة، "إذا أخذنا بعين الاعتبار توافر المياه في موقع الإنتاج، فالمتغيرات من هذا القبيل ليست سببًا للامتناع عن القيام بمثل هذه التحليلات السعرية، وشركتنا بصدد صوغ مبادئ توجيهية تهدف إلى تقديم المساعدة عندما يتعلق الأمر بتقدير حجم رأس المال الطبيعي المستخدم في إنتاج الغذاء.

لمثل هذه الحسابات لسعرية تأثير في إنتاج المواد الغذائية وغيرها من المنتوجات؟ بالنسبة إلى ماتيسون، الهدف من ذلك هو الترويج لطريقة جديدة في التفكير، من شأنها أن تؤدي في نهاية المطاف إلى طريقة إنتاج أكثر استدامة. قال لمجلة شبيغل: "لن أقول أن على الغذاء أن يكون أعلى كلفة، فنحن بحاجة إلى خفض التكلفة الحقيقية للطعام".

لا يحل المشكلات

لا يؤمن الخبير البيئي مونبيوت أن تحديد ثمن للطبيعة يحل المشاكلات كلها. فالمال، كما يقول، ليس نوعًا من "غبار سحري يرش على المشاكلات التي لا حل لها". بدلًا من ذلك، كما يقول، تعزز فكرة رأس المال الطبيعي ببساطة قوة من يملكون المال.

يعترف ماتيسون لشبيغل أيضًا بأن الحسابات نفسها لن تتغير كثيرًا، لكنه يرى أن التغيير لن يأتي إلا إذا ألغيت الحوافز الضارة، كإعانات الوقود الأحفوري، والتسميد المفرط، وندرة المياه في المناطق الجافة. قال: "في المملكة العربية السعودية ثمة دعم كبير جدًا للمياه. في الواقع، كان الناس يحصلون على المياه مجانًا لصناعة الألبان، وترش الأبقار كل يوم بالماء الذي يرد من طريق تحلية مياه البحر، وهي عملية مكلفة للغاية وضارة جدًا بالبيئة لأن نسبة الكربون عالية في هذه المياه".

في بعض الحالات، بحسب ماتيسون، يمكن الاعتماد على الموارد الطبيعية أن ينخفض بشكل كبير من خلال العودة إلى أساليب الإنتاج التقليدية والأكثر استدامة. فشركة يونيليفر، على سبيل المثال، تدرب 400 ألف من مزارعي الشاي في مختلف البلدان لزرعه في حقولهم. وهذه الطريقة تحفظ الأسمدة والمال في آن واحد.