ماذا نفهم عنما نقرأ ما قالته صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية إن أسعار النفط ستنهار خلال العام الحالي ليصل سعر البرميل إلى 10 دولارات فقط؟ في الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة التوقعات المتشائمة حيال الاقتصاد العالمي وتتزايد المخاوف من نشوب أزمة اقتصادية تعصف بالبنوك والأسواق المالية كما حدث عام 2008. 

 

ثم ماذا نفهم عندما نقرأ أن أسعار النفط ارتفعت الأربعاء للمرة الأولى في ثمانية أيام مع صدور بيانات تجارية صينية إيجابية وانخفاض غير متوقع للمخزونات الأميركية الأسبوع الماضي، ما دفع المستثمرين للإقبال على شراء العقود الآجلة للخام؟ حيث زاد خام القياس العالمي مزيج برنت 87 سنتًا إلى 31.73 دولاراً للبرميل وارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 88 سنتاً إلى 31.32 دولاراً للبرميل بعد نزوله عن 30 دولارًا أمس الثلاثاء.

 

ثم تفاجئنا عناوين متناقضة في الصحف والمواقع التي تتابع اخبار اسعار النفط، ومنها:

 

ثلث شركات النفط تواجه خطر الإفلاس

 

إنتاج النفط الأميركي يتراجع نتيجة هبوط الأسعار

 

شركات النفط الصخري الأميركية تسير قدمًا نحو الإفلاس

 

إنتاج النفط الأميركي يتراجع وشركات تواجه الإفلاس

 

أسعار النفط تسجل ارتفاعًا في آسيا

 

هذا البنك او ذاك يتوقع هبوط سعر البرميل الى 10 دولارات

 

مورغان ستانلي يتوقع هبوط الأسعار وبنك تجاري آخر يقول إن الأسعار ستتعافى في الربع الأخير من عام 2016 وهكذا.

 

وقبل اسبوع قرأنا عن توقعات بهبوط النفط الى 20 دولاراً أو أقل.

 

القصة لا تنتهي وستستمر التبؤات والتوقعات ما دامت أوبك غير قادرة على رسم خطة محكمة للانتاج، ولم يعد المتابع قادرًا على استيعاب الصورة الواضحة، ومن المؤكد ان أسواق النفط على كف عفريت ولا يستطيع أحد التنبؤ بدقة بما سيحدث غدًا او بعد غد.

 

إلى ذلك، أدت هذه التطورات المتسارعة الى التسابق في التحليل والتكهنات ورسم السيناريوهات المختلفة، أحدهما متفائل والآخر متشائم جيوساسيًا.

 

سيناريو متفائل أن الأسعار قد ترتفع الى 80 دولارًا للبرميل:

 

هناك تكهنات أن مفاوضات تجري منذ أشهر بين موسكو والرياض لاقناع دول منتجة أخرى بتخفيض انتاج الخام بمليون برميل يوميًا واذا نجحت الخطة قد يرتفع سعر النفط الى 80 دولاراً. وهذا سيرفع مداخيل السعودية النفطية بما لايقل عن 93 مليار دولار وسيتحسن الوضع المالي لكل دول مجلس التعاون الخليجي وسيساعد الاقتصاد الايراني على التعافي.

 

ولكن ارتفاع الأسعار لن يكون الدواء الناجع لكل الأمراض، ولكن حسب هذا السيناريو فإن ارتفاع الأسعار لن يحل مشاكل العراق وليبيا الأمنية، ولن يساعد في استتباب الاستقرار والأمن في سوريا، ولن ينهي حالة التوتر في شمال العراق بين الأكراد وبغداد.

 

ويرسم السيناريو ايضًا التطور والتوسع في الصناعات التي تستند الى الطاقة مثل البيتروكيماويات والأسمدة. ويستشهد السيناريو بصناعة الألومنيوم في منطقة الخليج العربي الذي ينتج 15% من صناعة الألومنيوم في العالم. ومع نمو الأسعار ستنمو القطاعات غير النفطية وستقل البطالة وبالتالي يقل الاعتماد على النفط الخام كالمصدر الوحيد للاقتصاد. هذا باختصار السيناريو المتفائل.

 

سيناريو متشائم يتوقع المزيد من انهيار الأسعار:

 

السيناريو الأقل تفاؤلا يتوقع الاستمرار في هبوط أسعار النفط على مستوى عالمي. وهذا سيؤدي الى استمرار وزيادات عجز الموازنات مع عدم مقدرة الدول المعنية التدخل لتغيير الوضع. العجز يعني انخفاض القدرة المالية على مكافحة ارهاب داعش والقاعدة واموالاً اقل للاستثمار في الصناعة النفطية، وفي توسيع قاعدة الاقتصاد والبرامج التنموية مما يرفع نسب البطالة والتوترات الاجتماعية. حتى الدول الغنية جدا مثل السعودية وقطر ستعاني نكسات في التنمية الصناعية خارج اطار النفط.

 

ظهور القاعدة وداعش على الساحة زاد الصورة تعقيدًا ، كما أن الحرب في اليمن والحرب بين نظام بشار الأسد والمعارضة لا علاقة لها بارتفاع وانخفاض اسعار النفط. وحتى اتفاق مجموعة الخمس زائدا واحدا النووي مع ايران الذي يعتبره اوباما انجازًا عظيمًا سوف لا يؤثر كثيرًا على موازين الطاقة في المستقبل المنظور.  من غير المحتمل ان تعود ايران الى اسواق النفط بقوة بدون استثمارات ضخمة لتحسين اداء حقول النفط المهترئة وعندما تنجح في العودة الى الأسواق سوف لا تستطيع ان تصدر أكثر من مليون برميل اضافي، خلال فترة أشهر وليس اياماً أو اسابيع وهذا سوف لا يرعب الأسواق.

 

من الواضح ان أسعار النفط المنخفضة ستجلب المزيد من التوترات والمشاكل للمنطقة، وهل هذا يعني التدخل الأميركي ام الابتعاد والتهميش كما فعل الرئيس اوباما الذي وعد الكثير وقدم القليل. واذا تصاعدت الأسعار ستقع الادارة الأميركية تحت ضغوط لتقليل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط والاعتماد على ذاتها، وذلك بالاستثمار في صناعة الزيت الصخري التي تعاني بشكل حاد من تدني أسعار النفط.