الکاتب : أريج الحسني

◄أتوقع أنّ أهم علاج لهذه المشكلة هو طريق الإيمان بقضاء الله وقدره لأنّ تناسي أو نسيان هذه النقطة هي من أسباب هذا المرض.
وعلى العموم العلاج الأفضل يكون غير المباشر، وسواء قام المعالج بمهمة العلاج أو قام الشخص نفسه بعلاج نفسه، فإنّ الطريق المفضي إلى العلاج الناجح والسريع هو الطريق غير المباشر. فقد يكون العارض المرضي دالاً على شيء مخالف للشيء أو السبب الحقيقي إذا ما أخذنا في تفسيره ظاهرياً أعماقه بغير أن نسبر أغواره وبغير أن نصل إلى صلبه وكيانه الجوهري، ولكن ما إن نستشف أعماقه ونقف على صميم كيانه، حتى نجد أنّ الدافع الحقيقي للأعراض المرضية البائنة لم تكن سوى نتيجة ثانوية لذلك السبب الجهوهري الأساسي.

فقد تجد شخصاً مصاباً بأحد أعراض الشذوذ الجنسي، فتظن أنّ السبب هو سوء توجيه الطاقة الجنسية لديه، ولكن ما إن تترك الأعراض السلوكية الجنسية جانباً وتأخذ في فحص تلك الأعراض المرضية حتى تستبين أنّ الأصل ونقطة البداية ليس الجنس بل ربما يكون المخاوف القديمة المترسبة في أعماق الشخصية والتي استحالت قلقاً بعد أن انطوت في أعماق اللاشعور، وبديهي أن ينسب العلاج في مثل تلك الحالة إلى الأصل والسبب الحقيقي الجوهري وليس إلى ما يترتب على ذلك الأصل وعلى السبب الجوهري من نتائج سلوكية.

وقد ينحو العلاج النفسي غير المباشر منحى آخر غير هذا المنحى، فبدلاً من البحث في أسباب جوهرية ذات طبيعية نفسية فإنّه يذهب إلى القطاع الفسيولوجي من الشخصية يستقرئه على أساس من الاعتقاد بأنّ ما هو نفسي وجداني، إنما يكون انعكاساً على نحو ما لما هو فسيولوجي جسمي، فبدلاً من علاج المرض العقلي بالإيحاء والإقناع والتنويم المغناطيسي والتحليل النفسي يأخذ المعالج في التأثير في المخ سواء عن طريق الصدمات الكهربائية أو بحقن المريض ببعض العقاقير التي تؤثر على أجزاء معينة في المخ أو بحقن بعض الهرمونات التي تؤثر على الاتزان الغددي أو بإجراء بعض العمليات الجراحية بالمخ أو بغيره من أجزاء بالجسم يكون لها صلة غير مباشرة بإحداث العارض المرضي.

وبالنسبة للقلق بمظاهره وأعراضه المتباينة، فقد لا يكون الأمر بحاجة إلى إجراء عمليات جراحية أو تناول الحبوب المهدئة أو إلى أخذ حقن بطريق مباشر أو غير مباشر في الغدد الصماء، ولا إلى فحص أجهزة الجسم الداخلية كالجهاز العصبي أو الغدد بل تكون ثمة حاجة فقط إلى تشغيل أجهزة الجسم، وذلك بممارسة بعض التمرينات الرياضية التي تكفل التخلص من الزائد من الطاقة الحيوية المختزنة في بعض الأعضاء والتي يتسبب عنها القلق بشكل غير مباشر.

وهناك في الواقع صلة وثيقة بين الخمول الجسمي وبين القلق، ذلك أنّ الجسم عندما يشحن بالطاقة فإنّه يكون بحاجة إلى التخلص منها حتى تستمر الحياة في أخذ وعطاء مستمرين، وطبيعي أنّك تجد أنّ الشخص الذي لا يتخلص من الزائد من طاقته الحيوية لا يستطيع أن يستمر في الأخذ، فنجده نابياً عن تناول الطعام، بل إنّ رئتيه تنحوان أيضاً إلى الكسل فيضيق تنفسه وبالتالي تختل ضربات قلبه.

وحيث إنّ الجسم كيان واحد مترابط الأجزاء كأشد ما يكون الترابط والاتصال والانسجام والتكافل والتكامل، فإنّ أي خلل أو أي كسل يحدث في جانب منه يجد له صدى عالياً في باقي الأجهزة.

فتجد أنّ شخصاً كهذا يصاب باضطراب في ضغط الدم بل وقد يفسد عمل ونشاط الكبد فيصاب بمرض السكر وغيره من أمراض تكون نقطة البداية فيها جميعاً الركون إلى الكسل وعدم التخلص من الطاقة الزائدة.

وليس من شك في أنّ الكثير مما يصيب الإنسان العصري من قلق أو ضجر بالحياة أو تبرم بالناس إنما يرجع في نهاية المطاف إلى خروجه عن فطرته التي جبل عليها. وخير شاهد على ذلك إنّ القردة في الغابات والناس البدائيين الذين أتيحت لهم فرص التعبير عن طاقتهم الحيوية بانطلاق وبما يكفل صرف الطاقات الزائدة لديهم لا يتعرضون للقلق، وأكثر من هذا فإنّنا نستطيع أن نقرر أنّ أصحاب الحرف اليدوية العنيفة والتي تتباين فيها الحركات وتتنوع وتستمر طوال فترة العمل لا يكونون في الغالب معرضين للإصابة بالقلق، وذلك لأنّ ما يمكن أن يختزن في عضلاتهم المتباينة من طاقة، سرعان ما يجد له منصرفاً في ما يؤدونه من أعمال.

أمّا أصحاب المهن التي تعتمد أكثر ما تعتمد على الذهن دون العضلات، فإنّ أصحابها يصابون في الغالب بالقلق، وما يتواكب معه من ظواهر مرضية كتلك التي سبق أن ذكرناها. لذلك فإنّك تجد أنّ الأطباء ينصحون أصحاب المهن الذهنية بتشغيل عضلاتهم ولو بالمشي لمدة طويلة كلّ يوم حتى يعوضوا ما فاتهم من تنشيط عضلاتهم التي تختزن الطاقة الحيوية لكي لا تظهر لديهم على هيئة أعراض نفسية أهمها القلق النفسي الوخيم ونأسف إذ نقرر أنّ معظمهم يكونون في عوز شديد للتواؤم الاجتماعي والتكيف النفسي.

وثمة عامل آخر من عوامل حدوث القلق هو العامل الاجتماعي، فالانحباس في قمقم اجتماعي واحد لا يتغير يؤدي بالشخص إلى الإصابة بالقلق، فكثير من الناس لا يخرجون عن نمط حياتهم اليومي، وكأنّ كلّ يوم يمر في حياتهم هو صورة طبق الأصل عن الأيام السابقة جميعها.

والواقع أنّ هذا هو حال نسبة كبيرة من الناس، إنّهم يلتزمون بما دأبوا على فعله من غير أن يغيروا نظام حياتهم قيد أنملة، فالأشخاص الذين يقابلونهم لا يتغيرون، بل إنّ مقابلتهم لهم قد تتم في نفس الوقت من كلّ يوم بغير تغيير، وحياتهم اليومية تلتزم بمواعيد محددة لا تتغير، فالموظف يصل إلى مقر عمله في الثامنة صباحاً، ويظل في مكتبه حتى الثانية ظهراً ونمط العمل هو لا يتغير ولا يتجدد وبهذا يستحيل الموظف إلى ما يشبه الآلة الصماء، بل إنّه يصاب بالعجز الإرادي وبالعجز العقلي والاجتماعي، فالعجز الإرادي يتبدى لديه في عدم قدرته على اتخاذ قرار يتطلب الاعتماد على ذكائه وتقديره الشخصي للموقف.

أما العجز العقلي فإنّه يتبدى في عدم قدرته على إدخال عناصر جديدة في عمله واستبعاد عناصر قديمة ليس منها فائدة أو تكون ضارة بالعمل. أما عجزه الاجتماعي فإنّه يتبدى في عدم قدرته على إقامة علاقات جديدة مع أشخاص جدد وكأنّ الله لم يخلق في هذا العالم من الأُناس سوى تلك الشرذمة التي يخالطها ويتعامل مع أفرادها.

ومن هنا فإنّه إذا فقد واحداً من أفراد تلك الشرذمة وكأنّ القيامة قد قامت.

ونستطيع أن نزعم أنّ المشكلات النفسية تبدأ كخيوط العنكبوت الهشة التي إذا ما تكثرت وتجمعت فإنّها تصير بمثابة سلاسل حديدية يصعب الفكاك منها أو التخلص من تكبيلها وأسرها لمن تلتف حوله وتقيده.►

 

المصدر: كتاب استمتع بحياتك وعش سعيداً