الکاتب : د. فوزية الدريع

◄أنت جزء من الناس والناس جزء منك. وهذا التفاعل، قد يكون أساسه المصلحة أو أساسه التفاعل البشري والسلام. ولكني أرى أنّ التفاعل البشري هو أيضاً جزء من المصلحة البشرية النفسية للعيش براحة مع الآخرين.

نحن كبشر، نختلط بالقيم: التفكير والمواقف المختلفة وبعضها المشتركة. لا بأس بمقدار من المركزية الذاتية. بمعنى، أن ترى الأمور من زاوية نظرك فقط فهذه حالة جيدة ولا بأس بها.

لكن حب الإنسان لذاته، وهذه الموجة العالمية في مسألة الاعتداد بالذات ومحبتها بشكل مبالغ فيه، بالإضافة إلى أنّ تجاهل رأي الآخرين في ما نفكر ونفعل، ليس بالضرورة أن يكون ضد قواتنا. فليس شرطاً أن يكون كلّ ما يقوله الآخرون عنا هو ضدنا. بل إنّ كثيراً مما يقوله الآخرون هو لمصلحتنا. عندما كنا أطفالاً أو مراهقين، تعودنا مسألة الرفض الشرس لكلّ ما يقترحه أهلنا علينا من باب الدفاع عن شخصياتنا. لكننا، وبينما نحن نكبر، كنا ندرك، وبعد فوات الأوان غالباً، أنّنا ارتكبنا خطأ رفض رأي الآخر. ونشعر بأنّنا لو فقط سمعنا وأطعنا رأيهم لربحنا.

في جانب آخر، هناك الشكل النقيض للذي يمشي حياته حسب رأي الآخرين. وكلّ مسلسل حياته عبارة عن مشوار فيه رأي الآخرين: رأي بابا، رأي ماما، رأي المدرس، رأي أخي الأكبر، رأي أصدقائي، رأي رئيسي في العمل، إلى آخره من (عقدة المرجعية العمياء). طيب، وما هو الحل؟ أطيع أم لا أطيع؟

التوازن في كلّ شيء ضروري. وفي مرحلة ناضجة من حياتنا، من الضروري أن نقف ونسأل أنفسنا السؤال التالي: إلى أي درجة تناسبني وتفيدني وجهة نظر الآخر؟ هذا السؤال، فيه مقدار مرتفع من حب الذات وفيه مقدار مرتفع كذلك من التفكير والنضج. إنّ الإنسان، بطرحه هذا السؤال على نفسه، إنما يقيم شخصيته وقدراته مع اقتراح الآخر. فالحقيقة أنّه ليس كلّ ما يناسب البعض، يناسب قدراتنا وشخصياتنا. فنحن عبارة عن بصمة خاصّة. ربما يكون أمر ما يناسب شخصية مندفعة، لكن الشخصية التي بطبيعتها تحسب خطواتها، فربما ذلك الأمر لا يناسبها. المسألة، وعفواً على التشبيه، تشبه عجوزاً سمينة لابسة "شورت"، وهو أمر لا يصحّ ولا يفيد. كذلك الحال بالنسبة إلى القدرات. فمثلاً، ثمة شخص يدفعك إلى أن تصبح تاجراً وأنت لا تجيد لا لعبة الأرقام ولا لعبة حساب الربح والخسارة وفنون التجارة. أعرف شخصاً ضاعت حياته وهو معالج نفسي فذ، حيث أدخلته ضغوط أهله في متاهات التجارة، فلم يضيع فقط علمه وثقته بنفسه فحسب، بل ضيع ثروة ليست بقليلة.

إنّ حياتنا عبارة عن مسلسل قرارات. ورأي الآخر قد يكون جزءاً منها. وليس أمامنا غير التأني والحوار مع الآخر لمعرفة وجهة نظره وتأثيرها فينا. والحقيقة أنّ الأمر لا يختلف عن حوارنا مع ذواتنا. فحتى مع ذواتنا، يجب أن يكون هناك حوار في الذي يجب أن نفعل وما مدى تأثير ذلك فينا.

ثمّ إنّ هناك نقطة قوة شخصية رائعة، وهي حين نحسن الاستماع للآخر ونقول له بثقة بما معناه: "أنا مقدّر وجهة نظرك والتي تبدو من خبرة رائعة ولكني في حاجة إلى أن أفكِّر في الأمر". بالطبع، بعض الأهل لا يريدون مسألة "أفكر"، إنما يريدون الطاعة. ولكن، من حقّك ألا تطيع إلّا قناعاتك المنطلقة من مصلحتك.►