الکاتب : د. إبراهيم بن حمد الق

◄إنّنا نشاهد في الحياة من حولنا أنواعاً متعددة من أنماط الشخصية. بعض هذه الأنماط لها تأثير كبير على محيطها بما تتميز به من سمات وأخلاق وسلوكيات، وبعضها الآخر عادية لا تثير فينا الكثير من الانطباعات. وأنواع ثالثة تأثيرها هامشي ويتضح فيها جوانب الضعف بشكل كبير. لقد درس علماء النفس أنماط الشخصية وقدموا لنا أفكاراً جيدة لفهم شخصية الإنسان ومستوى تأثيره في الأحداث من حوله، في البيئة الاجتماعية المحيطة.

المصدر الأوّل: السمات الشخصية الوراثية والمكتسبة.

المصدر الثاني: الدور والوظيفة.

المصدر الثالث: العلم والمعرفة.

أما المصدر الأوّل لقوة الشخصية، فهو ما ولد به الإنسان من صفات وراثية وما اكتسبه في حياته عن طريق التعلم، فالسمات الوراثية مثل نمط الشخصية "متشدد - محافظ - مرن" "سريع التأثر والغضب أو صبور واسع الأفق" "منغلق - معتدل - منفتح". "انطوائي - اجتماعي" "لديه قدرات عقلية أو جسمية معينة".

والجانب الآخر في الإنسان هو ما اكتسبه من تربية وتعلم وتجارب. كلما كانت طبيعة الإنسان تميل إلى التوازن بين الميول المتنافرة، وكذلك كلما استطاع أن يروّض نفسه ويعدل من سلوكياته وأخلاقه كلما كانت شخصيته أقوى وتأثيره أبلغ في الآخرين من حوله.

إنّ الشخصية المؤثرة ذات النفوذ القوي على الآخرين هي مزيج من السمات الفطرية والمكتسبة. ولا يكفي لقوة التأثير توفر السمات الفطرية لوحدها بدون أن يتوفر التعليم والتجارب التي تشذب وتنمي وتطور هذه السمات الفطرية. كما أنّ التعليم والتجارب وحدها بدون السمات الفطرية المناسبة لا تقدم شخصية مؤثرة.

أما المصدر الثاني لقوة الشخصية فهو الدور أو الوظيفة أو المنصب. وتمثل المسؤولية التي يتحمّلها الإنسان تجاه نفسه والآخرين. وقد رسم حديث الرسول (ص): "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ملامح هذا المصدر في شخصية الإنسان ففي هذا الحديث أنواع من الدوائر للمسؤولية الشخصية. وفي كلّ دائرة هناك مجال لتحمّل المسؤولية والتأثير. وتشمل هذه الدوائر على سبيل المثال لا الحصر المعلم في مدرسته، والمدير في جامعته، والوزير في وزارته، والموظف في وظيفته، والأب في بيته... والطالب مع زملائه، والصديق مع أصدقائه... إلخ.

إنّ أدوارنا في الحياة ووظائفنا الاجتماعية والرسمية تعطينا مجالاً كبيراً للتأثير وتحمل المسؤولية وترسم لنا حدود التأثير التي يجب أن نمتد إليها. والناس بالطبع مختلفون في تأثيرهم وفي رعايتهم لحدود مسؤولياتهم. ويبقى هذا العامل في الشخصية على أهميته قليل التأثير في الآخرين ما لم يكن هناك تعزيز من المصدر الأوّل "الشخصية" الذي يمثل العامل الأهم في المعادلة.

أما المصدر الثالث من مصادر القوة في الشخصية فهو العلم والمعرفة. ولسنا في حاجة للتذكير بأنّ العلم قوة وبأنّ الذي يملك المعرفة يملك مصدر من مصادر التأثير الكبير على الآخرين. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المصدر من مصادر قوة الشخصية فقال سبحانه عزّ وجلّ: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزّمر/ 9). وقال عزّ وجلّ: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) (النمل/ 40). وقد جاء في القرآن والسنة ما يبرز أهمية هذا المصدر من مصادر القوة في الشخصية وما يوضح المكانة المتميزة لصاحب العلم والمعرفة.

كيف توظف هذه المصادر الثلاث لبناء شخصية مؤثرة؟ ابدأ بالتركيز على جانب الشخصية وطوّر لديك الآليات والوسائل التي تجعلك شخصاً مؤثراً. فكّر بالوسائل والأولويات التالية: التوازن، والحكمة، والتعقل، وسعة الأفق، والرفق، واللين، والاهتمام بالآخرين والتعاطف معهم، وفهمهم، والاتصال الفعّال، والعلاقات الإنسانية الجيدة، وحسن الخلق، والتفكير الإيجابي. إنّ هذا المصدر هو أهم مصادر قوة الشخصية، لأنّ توفر المصادر الأخرى بدون هذا المصدر يؤثر سلباً على قوة تأثيرنا ولا يحقق المطلوب.

ما رأيك بالمدير "منصب مرموق" صاحب العلم الغزير في مجاله "متخصص"، ولكن شخصيته صعبة، ولسانه بذيء، وأسلوبه في التعامل يتسم بالقوة. أي تأثير يكون لهذا الشخص على الآخرين؟ قد يطيعه الآخرون وينصاعون لأوامره ويُدفعون دفعاً للقيام بأعمالهم ومسؤولياتهم رغبة أو رهبة، لكنهم بالتأكيد في أعماقهم لا يحترمونه وتأثيره عليهم تأثير مؤقت.

وبالمقارنة كيف ينظر الناس لصاحب الشخصية الجيدة ذو الخلق الحسن والذي يمتاز كذلك بالعلم والمعرفة، ولكن ليس لديه وظيفة مرموقة. لا شك أنّ حظه من التأثير في الآخرين سيكون كبيراً. وبالتأكيد سيكون تأثيره أكبر عندما تتوفر له الوظيفة أو الدور المناسب.

لبناء مصادر القوة في شخصيتك اعتمد أوّلاً على المصدر الأوّل "الشخصية". ثم اهتم بالمصدر الثاني "العلم". إنّ هذين المصدرين هما الفيصل في تأثيرنا على الآخرين وتحقيقنا للنتائج الكبيرة في حياتنا.►

 

المصدر: كتاب دروس ثمينة في تحقيق التميز والنجاح في الحياة